فهرس الكتاب

الصفحة 2515 من 4314

و قوله:"تسيمون"من الإسامة وهي رعي المواشي ومنه السائمة للماشية الراعية و"من"الأولى تبعيضية والثانية نشوئية والشجر من النبات ما له ساق وورق وربما توسع فأطلق على ذي الساق وغيره جميعا ، ومنه الشجر المذكور في الآية لمكان قوله:"فيه تسيمون"والباقي واضح.

قوله تعالى:"ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات"إلخ ، الزيتون شجر معروف ويطلق على ثمره أيضا يقال: إنه اسم جنس جمعي واحده زيتونة ، وكذا النخيل ، ويطلق على الواحد والجمع ، والأعناب جمع عنبة وهي ثمرة شجرة الكرم ويطلق على نفس الشجرة كما في الآية ، والسياق يفيد أن قوله:"و من كل الثمرات"تقديره ومن كل الثمرات أنبت أشجارها.

ولعل التصريح بأسماء هذه الثمرات الثلاث بخصوصها وعطف الباقي عليها لكونها مما يقتات بها غالبا.

ولما كان في هذا التدبير العام الوسيع الذي يجمع شمل الإنسان والحيوان في الارتزاق به حجة على وحدانيته تعالى في الربوبية ختم الآية بقوله:"إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون".

قوله تعالى:"و سخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر"إلى آخر الآية قد تكرر الكلام في معنى تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم ، ولكون كل من المذكورات وكذا مجموع الليل والنهار ومجموع الشمس والقمر والنجوم ذا خواص وآثار في نفسه من شأنه أن يستقل بإثبات وحدانيته في ربوبيته تعالى ختم الآية بقوله:"إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون"فجمع الآيات في هذه الآية بخلاف الآيتين السابقة واللاحقة.

قوله تعالى:"و ما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون"الذرء الخلق ، واختلاف ألوان ما ذرأه في الأرض غير ما مر كما يختلف ألوان المعادن وسائر المركبات العنصرية التي ينتفع بها الإنسان في معاشه ولا يبعد أن يكون اختلاف الألوان كناية عن الاختلاف النوعي بينها فتقرب الآية مضمونا من قوله تعالى:"و في الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل": الرعد: 4 ، وقد تقدم تقريب الاستدلال به.

واختلاف الألوان فيما ذرأ في الأرض كإنبات الشجر والثمر أمر واحد يستدل به على وحدانيته في الربوبية ولذا قال:"إن في ذلك لآية"ولم يقل: لآيات.

وهذه حجج ثلاث نسب الأولى إلى الذين يتفكرون ، والثانية إلى الذين يعقلون ، والثالثة إلى الذين يتذكرون ، وذلك أن الحجة الأولى مؤلفة من مقدمات ساذجة يكفي في إنتاجها مطلق التفكر ، والثانية مؤلفة من مقدمات علمية لا يتيسر فهمها إلا لمن غار في أوضاع الأجرام العلوية والسفلية وعقل آثار حركاتها وانتقالاتها ، والثالثة مؤلفة من مقدمات كلية فلسفية إنما ينالها الإنسان بتذكر ما للوجود من الأحكام العامة الكلية كاحتياج هذه النشأة المتغيرة إلى المادة وكون المادة العامة واحدة متشابهة الأمر ، ووجوب انتهاء هذه الاختلافات الحقيقية إلى أمر آخر وراء المادة الواحدة المتشابهة.

قوله تعالى:"و هو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها"إلخ وهذا فصل آخر من النعم الإلهية وهو نعم البحر والجبال والأنهار والسبل والعلامات وكان ما تقدمه من الفصل مشتملا على نعم البر والسهل من الأشجار والأثمار ونحوها ، ولذلك قال:"و هو الذي سخر"ولم يقل: وسخر إلخ.

والطري فعيل من الطراوة وهو الغض الجديد من الشيء على ما ذكره في المفردات ، والمخر شق الماء عن يمين وشمال ، يقال: مخرت السفينة تمخر مخرا فهي ماخرة ومخر الأرض أيضا شقها للزراعة.

على ما في المجمع والمراد بأكل اللحم الطري من البحر هو أكل لحوم الحيتان المصطادة منه ، وباستخراج حلية تلبسونها ما يستخرج منه بالغوص من أمثال اللؤلؤ والمرجان التي تتحلى وتتزين بها النساء.

وقوله:"و ترى الفلك مواخر فيه"أي تشاهد السفائن تشق ماءه عن اليمين والشمال ، ولعل قوله:"و ترى"من الخطابات العامة التي لا يقصد بها مخاطب خاص وكثيرا ما يستعمل كذلك ومعناه يراه كل راء ويشاهده كل من له أن يشاهد فليس من قبيل الالتفات من خطاب الجمع السابق إلى خطاب الواحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت