فهرس الكتاب

الصفحة 2516 من 4314

و قوله:"و لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون"أي ولتطلبوا بعض رزقه في ركوب البحر وإرسال السفائن فيه والجملة معطوفة على محذوف والتقدير وترى الفلك مواخر فيه لتنالوا بذلك كذا وكذا ولتبتغوا من فضله ، وهو كثير النظير في كلامه تعالى.

وقوله:"و لعلكم تشكرون"أي ومن الغايات في تسخير البحر وإجراء الفلك فيه شكركم له المرجو منكم إذ هو من زيادته تعالى في النعمة فقد أغناكم بما أنعم عليكم في البر عن أن تتصرفوا في البحر بالغوص وإجراء السفن وغير ذلك لكنه تعالى زادكم بتسخير البحر لكم نعمة لعلكم تشكرونه على هذا الزائد فإن الإنسان قليلا ما يتنبه في الضروريات أنها نعمة موهوبة من لدنه سبحانه ولو شاء لقطعها وأما الزوائد النافعة فهي أقرب من هذا التنبه والانتقال.

قوله تعالى:"و ألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون"قال في المجمع: الميد الميل يمينا وشمالا وهو الاضطراب ماد يميد ميدا.

انتهى.

وقوله:"أن تميد بكم"أي كراهة أن تميد بكم أو أن لا تميد بكم والمراد أنه طرح على الأرض جبالا ثوابت لئلا تضطرب وتميل يمينا وشمالا فيختل بذلك نظام معاشكم.

وقوله:"و أنهارا"أي وجعل فيها أنهارا تجري بمائها وتسوقه إلى مزارعكم وبساتينكم وتسقيكم وما عندكم من الحيوان الأهلي.

وقوله:"و سبلا لعلكم تهتدون"معطوف على قوله:"و أنهارا"أي وجعل سبلا لغاية الاهتداء المرجو منكم ، والسبل منها ما هي طبيعية وهي المسافات الواقعة بين بقعتين من الأرض الواصلة إحداهما بالأخرى من غير أن يقطع ما بينهما بحاجب أو مانع كالسهل بين الجبلين ، ومنها ما هي صناعية وهي التي تتكون بعبور المارة وآثار الأقدام أو يعملها الإنسان.

والظاهر من السياق عموم السبل لكلا القسمين ، ولا ضير في نسبة ما جعله الإنسان إلى جعله تعالى كما نسب الأنهار والعلامات إلى جعله تعالى وأكثرها من صنع الإنسان وكما نسب ما عمله الإنسان من الأصنام وغيرها إلى خلقه تعالى في قوله:"و الله خلقكم وما تعملون": الصافات: 96.

وذلك أنها كائنة ما كانت من آثار مجعولاته تعالى وجعل الشيء ذي الأثر جعل لأثره بوجه وإن لم يكن جعلا مستقيما من غير واسطة.

قوله تعالى:"و علامات وبالنجم هم يهتدون"العلامات جمع علامة وهي ما يعلم به الشيء ، وهو معطوف على قوله:"أنهارا"أي وجعل علامات تستدلون بها على الأشياء الغائبة عن الحس وهي كل آية وأمارة طبيعية أو وضعية تدل على مدلولها ومنها الشواخص والنصب واللغات والإشارات والخطوط وغيرها.

ثم ذكر سبحانه الاهتداء بالنجوم فقال:"و بالنجم هم يهتدون"ولعل الالتفات فيه من الخطاب إلى الغيبة للتحرز عن تكرار"تهتدون"بصيغة الخطاب في آخر الآيتين.

والآية السابقة:"و على الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين"المتضمنة لمسألة الهداية المعنوية التي هي كالمعترضة بين الآيات العادة للنعم الصورية وإن كان الأنسب ظاهرا أن يوضع بعد هذه الآية أعني قوله:"و بالنجم هم يهتدون"المتعرضة هي وما قبلها للهداية الصورية غير أن ذلك لم يكن خاليا من اللبس وإيهام التناقض بخلاف موقعها الذي هي واقعة فيه وإن كانت كالمعترضة كما هو ظاهر.

قوله تعالى:"أ فمن يخلق كمن لا يخلق - إلى قوله - إلهكم إله واحد"الآيات تقرير إجمالي للحجة المذكورة تفصيلا في ضمن الآيات الست عشرة الماضية واستنتاج للتوحيد وهي حجة واحدة أقيمت لتوحيد الربوبية ، وملخصها أن الله سبحانه خالق كل شيء فهو الذي أنعم بهذه النعم التي لا يحيط بها الإحصاء التي ينتظم بها نظام الكون ، وهو تعالى عالم بسرها وعلنها فهو الذي يملك الكل ويدبر الأمر فهو ربها ، وليس شيء مما يدعونه على شيء من هذه الصفات فليست أربابا فالإله واحد لا غير وهو الله عز اسمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت