و قوله:"فالذين لا يؤمنون بالآخرة"إلخ تفريع عليه ، وافتتاح لفصل جديد من الكلام حول أعمال الكفار من أقوالهم وأعمالهم الناشئة عن عدم إيمانهم بالله سبحانه وإنما ذكر عدم إيمانهم بالآخرة ولم يذكر عدم إيمانهم بالله وحده لأن الذي أقيمت عليه الحجة هو التوحيد الكامل وهو وجوب الاعتقاد بإله عليم قدير خلق كل شيء وأتم النعمة لا لغوا باطلا بل بالحق ليرجعوا إليه فيحاسبهم على ما عملوا ويجازيهم بما اكتسبوا مما عهده إليهم من الأمر والنهي بواسطة الرسل.
فالتوحيد المندوب إليه في الآيات الماضية هو القول بوحدانيته تعالى والإيمان بما أتى به رسل الله والإيمان بيوم الحساب والجزاء ، ولذلك وصف الكفار بعدم الإيمان بالآخرة لأن الإيمان بها يستلزم الإيمان بالوحدانية والرسالة.
ولك أن تراجع في استيضاح ما ذكرناه قوله في أول الآيات:"ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون خلق السماوات والأرض بالحق سبحانه عما يشركون"فإنه كلام جامع للأصول الثلاثة.
وقوله:"قلوبهم منكرة"أي للحق وقوله:"و هم مستكبرون"أي عن الحق ، والاستكبار - على ما ذكروه - طلب الترفع بترك الإذعان للحق.
والمعنى: إلهكم واحد على ما تدل عليه الآيات الواضحة في دلالتها ، وإذا كان الأمر على هذا الوضوح والجلاء لا يستتر بستر ولا يرتاب فيه فهم فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة للحق جاحدة له عنادا وهم مستكبرون عن الانقياد للحق من غير حجة ولا برهان.
قوله تعالى:"لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين""لا جرم"كلمة مركبة باقية على حالة واحدة يفيد معنى التحقيق على ما ذكره الخليل وسيبويه وإليه يرجع ما ذكره غيرهما وإن اختلفوا في أصل تركبه قال الخليل: وهو كلمة تحقيق ولا يكون إلا جوابا يقال فعلوا كذا فيقول السامع: لا جرم يندمون.
والمعنى من المحقق - أو حق - أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ، وهو كناية وتهديد بالجزاء السيىء أي إنه يعلم ما يخفونه من أعمالهم وما يظهرونه فسيجزيهم بما عملوا ويؤاخذهم على ما أنكروا واستكبروا إنه لا يحب المستكبرين.
قوله تعالى:"و إذا قيل لهم ما ذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين"قال الراغب في المفردات: السطر والسطر - بفتح فسكون أو بفتحتين - السطر من الكتابة ومن الشجر المغروس ومن القوم الوقوف - إلى أن قال - وجمع السطر أسطر وسطور وأسطار.
قال: وأما قوله:"أساطير الأولين"فقد قال المبرد: هي جمع أسطورة نحو أرجوحة وأراجيح وأثفية وأثافي وأحدوثة وأحاديث ، وقوله تعالى:"و إذا قيل لهم ما ذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين"أي شيء كتبوه كذبا ومينا فيما زعموا نحو قوله تعالى:"أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا"انتهى وقال غيره: أساطير جمع أسطار وأسطار جمع سطر فهو جمع الجمع.
وقوله:"و إذا قيل لهم ما ذا أنزل ربكم"يمكن أن يكون القائل بعض المؤمنين وإنما قاله اختبارا لحالهم واستفهاما لما يرونه في الدعوة النبوية ، ويمكن أن يكون من المشركين وإنما قاله لهم ليقلدهم فيما يرونه ، وعبر عن القرآن بمثل قوله:"ما ذا أنزل ربكم"لنوع من التهكم والاستهزاء ، ويمكن أن يكون شاكا متحيرا باحثا ، والآية التالية وكذا قوله فيما سيأتي:"و قيل للذين اتقوا ما ذا أنزل ربكم"يؤيد أحد الوجهين الأخيرين.
وقوله:"قالوا أساطير الأولين"أي الذي يسأل عنه أكاذيب خرافية كتبها الأولون وأثبتوها وتركوها لمن خلفهم ، ولازم هذا القول دعوى أنه ليس نازلا من عند الله سبحانه.
قوله تعالى:"ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة"إلى آخر الآية.
قال في المفردات: الوزر - بفتحتين - الملجأ الذي يلتجأ إليه من الجبل ، قال تعالى:"كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر"والوزر بالكسر فالسكون - الثقل تشبيها بوزر الجبل ، ويعبر بذلك عن الإثم كما يعبر عنه بالثقل ، قال تعالى:"ليحملوا أوزارهم كاملة"الآية كقوله:"و ليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم".