فهرس الكتاب

الصفحة 2523 من 4314

قال: وحمل وزر الغير بالحقيقة هو على نحو ما أشار إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله:"من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجره شيء ، ومن سن سنة سيئة كان له وزرها ووزر من عمل بها أي مثل وزر من عمل بها ، وقوله:"و لا تزر وازرة وزر أخرى"أي لا تحمل وزره من حيث يتعرى المحمول عنه ، انتهى."

والذي ذكره من الحديث النبوي مروي من طرق الخاصة والعامة جميعا ويصدقه من الكتاب العزيز مثل قوله تعالى:"و الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرىء بما كسب رهين": الطور: 21 ، وقوله:"و نكتب ما قدموا وآثارهم": يس: 12 والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وأما قوله في تفسير قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :"كان له وزرها ووزر من عمل بها": أي مثل وزر من عمل بها فكلام ظاهري لا بأس بأن يوجه به الآية والرواية لرفع التناقض بينهما وبين مثل قوله تعالى:"لا تزر وازرة وزر أخرى": الأنعام: 164 ، وقوله:"ليوفينهم ربك أعمالهم": هود: 111 ، إذ لو حمل الآمر وزر السيئة وعذب بعذابها دون الفاعل ناقض ذلك الآية الأولى ، ولو قسم بينهما وحمل كل منهما بعض الوزر وعذب ببعض العذاب ناقض الآية الثانية ، وأما لو حمل السان والآمر مثل ما للعامل الفاعل لم يناقض شيئا.

وأما بحسب الحقيقة فكما أن العمل عمل واحد حسنة أو سيئة كذلك وزره وعذابه مثلا واحد لا تعدد فيه ، غير أن نفس العمل لما كان قائما بأكثر من واحد - قيامه بالآمر والفاعل قياما طوليا لا عرضيا يوجب المحذور - كانت تبعته من الوزر والعذاب قائمة بأكثر من واحد ، فهناك وزر واحد يزرها اثنان ، وعذاب واحد يعذب به الآمر والفاعل جميعا.

ويسهل تصور ذلك بالتأمل في مضمون الآيات المبنية على تجسم الأعمال فإن العمل كالسيئة مثلا على تقدير التجسم واحد شخصي يتمثل لاثنين ويعذب بتمثله إنسانين الآمر والفاعل أو السان والمستن فهو بوجه بعيد كالشخص الواحد يتصوره اثنان فيلتذان أو يتألمان معا به وليس إلا واحدا.

وقد تقدم بعض الكلام في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى:"ليميز الله الخبيث من الطيب"الآية في الجزء التاسع من الكتاب ، وسيأتي إن شاء الله تفصيل القول فيه فيما يناسبه من المورد.

وكيف كان فقوله:"ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم"اللام للغاية وهي متعلقة بقوله:"قالوا أساطير الأولين"وفي قوله:"يضلونهم"دلالة على أن حملهم لأوزار غيرهم إنما هو من جهة إضلالهم فيعود الإضلال غاية والحمل غاية الغاية ، والتقدير قالوا أساطير الأولين ليضلوهم وهم أنفسهم ضالون فيحملوا أوزار أنفسهم كاملة ومن أوزار أولئك الذين يضلونهم بغير علم.

وفي تقييد قوله:"ليحملوا أوزارهم"بقوله"كاملة"دفع لتوهم التقسيم والتبعيض بأن يحملوا بعضا من أوزار أنفسهم وبعضا من أوزار الذين يضلونهم فيعود الجميع أوزارا كاملة بل يحملون أوزار أنفسهم كاملة ثم من أوزار الذين يضلونهم.

وقوله:"و من أوزار الذين يضلونهم"من تبعيضية لأنهم لا يحملون جميع أوزارهم بل أوزارهم التي ترتبت على إضلالهم خاصة بشهادة السياق فالتبعيض إنما هو لتمييز الأوزار المترتبة على الإضلال من غيرها لا للدلالة على تبعيض كل وزر من أوزار الإضلال وحمل بعضه على هذا وبعضه على ذاك ولا تقسيم مجموع أوزار الإضلال وحمل قسم منه على هذا وقسم منه على ذاك مع تعريته عن القسم الآخر فإن أمثال قوله تعالى:"و من يعمل مثقال ذرة شرا يره": الزلزال: 8 تنافي ذلك فافهم.

ومما تقدم يظهر وهن ما استفاده بعضهم من قوله:"ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة"أن مقتضاه أنه لم ينقص منها شيء ولم تكفر بنحو بلية تصيبهم في الدنيا أو طاعة مقبولة فيها كما تكفر بذلك أوزار المؤمنين.

وكذا ما استفاده بعض آخر أن في الآية دلالة على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين إذ لو كان هذا المعنى حاصلا للكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار به فائدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت