فهرس الكتاب

الصفحة 2524 من 4314

وجه الوهن أن ما ذكراه من خزي الكافرين وإكرام المؤمنين وإن كان حقا في نفسه كما تدل عليه الآيات الدالة على خزي الكفار بما يصيبهم في الدنيا وحبط أعمالهم وشمول المغفرة والشفاعة لطائفة من المؤمنين ، لكن هذه الآية ليست ناظرة إلى شيء من ذلك بل العناية فيها إنما هي بالفرق بين أوزار أنفسهم وأوزار غيرهم الذين أضلوهم وأن الطائفة الثانية يلحقهم بعضها وهي التي ترتبت من الأوزار على الإضلال بخلاف الطائفة الأولى فهي لهم أنفسهم.

وأوهن منهما ما ذكره بعضهم أن"من"في قوله"و من أوزار الذين"إلخ زائدة أو بيانية ، وهو كما ترى.

وتقييده سبحانه قوله:"يضلونهم"بقوله:"بغير علم"للدلالة على أن الذين أضلهم هؤلاء المشركون الذين قالوا: أساطير الأولين إنما ضلوا باتباعهم لهم تقليدا وبغير علم فالقائلون أئمة الضلال وهؤلاء الضلال أتباعهم ومقلدوهم ثم ختم سبحانه الآية بذمهم وتقبيح أمرهم جميعا فقال:"ألا ساء ما يزرون".

قوله تعالى:"قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد"إلخ ، إتيانه تعالى بنيانهم من القواعد هو حضور أمره تعالى عنده بعد ما لم يكن حاضرا ، وهذا شائع في الكلام وخرور السقف سقوطه على الأرض وانهدامه.

والظاهر - كما يشعر به السياق - أن قوله:"فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم"كناية عن إبطال كيدهم وإفساد مكرهم من حيث لا يتوقعون كمن يتقي أمامه ويراقبه فيأتيه العدو من خلفه فالله سبحانه يأتي بنيان مكرهم من ناحية قواعده وهم مراقبون سقفه مما يأتيه من فوق فينهدم عليهم السقف لا بهادم يهدمه من فوقه بل بانهدام القواعد.

وعلى هذا فقوله:"و أتاهم العذاب من حيث لا يشعرون"عطف تفسيري يفسر قوله:"فأتى الله بنيانهم"إلخ والمراد بالعذاب العذاب الدنيوي.

وفي الآية تهديد للمشركين الذين كانوا يمكرون بالله ورسوله بتذكيرهم ما فعل الله بالماكرين من قبلهم من مستكبري الأمم الماضية حيث رد مكرهم إلى أنفسهم فكانوا هم الممكورين.

قوله تعالى:"ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم"الإخزاء من الخزي وهو على ما ذكره الراغب الذل الذي يستحيى منه ، والمشاقة من الشق وهو قطع بعض الشيء وفصله منه فهي المخاصمة والمعاداة والاختلاف ممن من شأنه أن يأتلف ويتفق فمشاقة المشركين في شركائهم هو اختلافهم مع أهل التوحيد وهم أمة واحدة فطرهم الله جميعا على التوحيد ودين الحق ومخاصمتهم لهم وانفصالهم عنهم.

والمعنى: أن الله سبحانه سيخزيهم يوم القيامة ويضرب عليهم الذلة والهوان بقوله: أين شركائي الذين كنتم تشاقون أهل الحق فيهم وتخاصمونهم وتوجدون الاختلاف في دين الله.

قوله تعالى:"قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين"الخزي ذلة الموقف والسوء العذاب على ما يفيده السياق.

وهؤلاء الذين وصفهم الله بأنهم أوتوا العلم وأخبر أنهم يتكلمون بكذا هم الذين رزقوا العلم بالله وانكشفت لهم حقيقة التوحيد فإن ذلك هو الذي يعطيه السياق من جهة المقابلة بينهم مع وصفهم بالعلم وبين المشركين الذين ينكشف لهم يومئذ أنهم ما كانوا يعبدون إلا أسماء سموها وسرابا توهموه.

على أن الله سبحانه يخبر عنهم أنهم يتكلمون يومئذ ويقولون كذا وقد قال في وصف اليوم:"لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا": النبأ: 38 والقول لا يكون صوابا بحق المعنى إلا مع كون قائله مصونا من خطأه ولغوه وباطله ، ولا يكون مصونا في قوله إلا إذا كان مصونا في فعله وفي علمه فهؤلاء قوم لا يرون إلا الحق ولا يفعلون إلا الحق ولا ينطقون إلا بالحق.

فإن قلت: فالذين أوتوا العلم بناء على ما فسر ، هم أهل العصمة لكن تدفعه كثرة ورود هذه اللفظة في كلامه تعالى وإرادة غيرهم كقوله:"و قال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير": القصص: 80 ، وقوله:"و ليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به": الحج: 54 إلى غير ذلك من الموارد الظاهر فيها عدم إرادة العصمة من إيتاء العلم.

قلت: ما ذكرناه إنما هو استفادة بمئونة المقام لا أنه مدلول اللفظ كلما أطلق في كلامه تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت