فهرس الكتاب

الصفحة 2526 من 4314

و معنى الآية: وقيل للمتقين من المؤمنين ما ذا أنزل ربكم من الكتاب وما شأنه؟ قالوا أنزل خيرا ، وكونه خيرا هو أن للذين أحسنوا - أي عملوا بما فيه فوضع الإحسان موضع الأخذ والعمل بما في الكتاب إيماء إلى أن الذي يأمر به الكتاب أعمال حسنة - في هذه الدنيا مثوبة حسنة ولدار الآخرة خير لهم جزاء.

ثم مدح دارهم ليكون تأكيدا للقول فقال:"و لنعم دار المتقين"ثم بين دار المتقين بقوله:"جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين"والمعنى ظاهر.

قوله تعالى:"الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون"بيان للمتقين كما كان قوله:"الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم"إلخ بيانا للمستكبرين.

والطيب تعري الشيء مما يختلط به فيكدره ويذهب بخلوصه ومحوضته يقال: طاب لي العيش أي خلص وتعرى مما يكدره وينقصه والقول الطيب ما كان عاريا من اللغو والشتم والخشونة وسائر ما يوجب فيه غضاضة والفرق بين الطيب والطهارة أن الطهارة كون الشيء على طبعه الأصلي بحيث يخلو عما يوجب التنفر عنه والطيب كونه على أصله من غير أن يختلط به ما يكدره ويفسد أمره سواء تنفر عنه أم لا ولذلك قوبل الطيب بالخبيث المشتمل على الخبث الزائد ، قال تعالى:"الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات": النور: 26 ، وقال:"و البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا": الأعراف: 58.

وعلى هذا فالمراد بكون المتقين طيبين في حال توفيهم خلوصهم من خبث الظلم في مقابل المستكبرين الذين وصفهم بالظلم حال التوفي في قوله السابق:"الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم"ويكون معنى الآية أن المتقين هم الذين تتوفاهم الملائكة متعرين عن خبث الظلم - الشرك والمعاصي - يقولون لهم سلام عليكم - وهو تأمين قولي لهم - ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون - وهو هداية لهم إليها -.

فالآية - كما ترى - تصف المتقين بالتخلص عن التلبس بالظلم وتعدهم الأمن والاهتداء إلى الجنة فيعود مضمونها إلى معنى قوله:"الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون": الأنعام: 82.

وذكر بعض المفسرين أن المراد بالطيب في الآية الطهارة عن دنس الشرك وفسره بعضهم بكون أقوالهم وأفعالهم زاكية ، والأكثر على تفسيره بالطهارة عن قذارة الذنوب وأنت بالتأمل فيما تقدم تعرف أن شيئا مما ذكروه لا يخلو عن تسامح.

قوله تعالى:"هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم"إلخ ، رجوع إلى حديث المستكبرين من المشركين وذكر بعض أحوالهم وأقوالهم وقياسهم ممن سبقهم من طغاة الأمم الماضين وما آل إليه أمرهم.

وقوله:"هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك"سياق الآية وخاصة ما في الآية التالية من حديث العذاب ظاهر في أنها مسوقة للتهديد فالمراد بإتيان الملائكة نزولهم لعذاب الاستئصال وينطبق على مثل قوله:"ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين": الحجر: 8 ، والمراد بإتيان أمر الرب تعالى قيام الساعة وفصل القضاء والانتقام الإلهي منهم.

وأما كون المراد بإتيان الأمر ما تقدم في أول السورة من قوله:"أتى أمر الله"وقد قربنا هناك أن المراد به مجيء النصر وظهور الإسلام على الشرك فلا يلائم اللحن الشديد الذي في الآية تلك الملاءمة ، وأيضا سيأتي في ذيل الآيات ذكر إنكارهم للبعث وإصرارهم على نفيه والرد عليهم ، وهو يؤيد كون المراد بإتيان الأمر قيام الساعة.

وقد أضاف الرب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال:"أمر ربك"ولم يقل: أمر الله أو أمر ربهم ليدل به على أن فيه انتصارا له (صلى الله عليه وآله وسلم) وقضاء له عليهم.

وقوله:"كذلك فعل الذين من قبلهم"تأكيد للتهديد وتأييد بالنظير أي فعل الذين من قبلهم مثل فعلهم من الجحود والاستهزاء مما فيه بحسب الطبع انتظار عذاب الله"فأصابهم سيئات ما عملوا"إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت