فهرس الكتاب

الصفحة 2527 من 4314

و قوله:"و ما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"معترضة يبين بها أن الذي نزل بهم من العذاب لم يستوجبه إلا الظلم ، غير أن هذا الظلم كان هو ظلمهم أنفسهم لا ظلما منه تعالى وتقدس ، ولم يعذبهم الله سبحانه عن ظلم وقع منهم مرة أو مرتين بل أمهلهم إذ ظلموا حتى استمروا في ظلمهم وأصروا عليه - كما يدل عليه قوله: كانوا أنفسهم يظلمون - فعند ذلك أنزل عليهم العذاب ، ففي قوله:"و ما ظلمهم الله"إلخ ، إثبات الاستمرار على الظلم عليهم ونفي أصل الظلم عن الله سبحانه.

قوله تعالى:"فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون"حاق بهم أي حل بهم ، وقيل: معناه نزل بهم وأصابهم ، والذي كانوا به يستهزءون هو العذاب الذي كانت رسلهم ينذرونهم به ومعنى الآية ظاهر.

قوله تعالى:"و قال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء"إلخ ، الذي تورده الآية شبهة على النبوة من الوثنيين المنكرين لها ، ولذلك عرفهم بنعتهم الصريح حيث قال:"و قال الذين أشركوا"ولم يكتف بالضمير ولم يقل: وقالوا كما في الآيات السابقة ليعلم أن الشبهة لهم بعينهم.

وقوله:"لو شاء الله ما عبدنا"جملة شرطية حذف فيها مفعول"شاء"لدلالة الجزاء عليه ، والتقدير لو شاء الله أن لا نعبد من دونه شيئا ما عبدنا إلخ.

وقول بعضهم: إن الإرادة والمشية لا تتعلق بالعدم وإنما تتعلق بالوجود ، فلا معنى لمشية عدم العبادة فالأولى أن يقدر متعلق المشية أمرا وجوديا ملازما لعدم العبادة كالتوحيد مثلا ويكون التقديم لو شاء الله أن نوحده أو أن نعبده وحده ما عبدنا من دونه من شيء ، واستدل بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :"ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن"حيث علق عدم الكون على عدم المشية لا على مشية العدم.

وفيه أن ما ذكره حق بالنظر إلى حقيقة الأمر ، إلا أن العنايات اللفظية والتوسعات الكلامية لا تدور دائما مدار الحقائق الكونية والأنظار الفلسفية وأن الأفهام البسيطة - ولم تكن أفهام أولئك الوثنيين بأرقى منها - كما تجيز ترتب الفعل الوجودي على المشية تجيز تعلق عدمه بها ، وفي كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) جريا على هذه العناية الظاهرية:"اللهم إن شئت أن لا تعبد لم تعبد".

على أنهم يشيرون بقولهم:"لو شاء الله ما عبدنا"إلخ ، إلى قول الرسل لهم: لا تشركوا بالله ولا تعبدوا غير الله ولا تحرموا ما أحل الله وهي نواه ومدلول النهي طلب الترك.

على أن الوثنيين لا ينكرون توحيده تعالى في الألوهية بمعنى الصنع والإيجاد ، وإنما يشركون في العبادة بمعنى أنهم يخصونه تعالى بالصنع والإيجاد ويخصون آلهتهم بالعبادة فلهم آلهة كثيرون أحدهم إله موجد غير معبود وهو الله سبحانه ، والباقون شفعاء معبودون غير موجدين فهم لا يعبدون الله أصلا لا أنهم يعبدونه تعالى وآلهتهم جميعا ، وحينئذ لو كان التقدير"لو شاء الله أن نوحده في العبادة أو أن نعبده وحده"لكان الأهم أن يقع في الجزاء توحيدهم له في العبادة أو عبادتهم له وحده لا نفي عبادتهم لغيره أو كان نفي عبادة الغير كناية عن توحيد عبادته أو عبادته وحده ، فافهم ذلك.

وإن كان ولا بد من تقدير متعلق المشية أمرا وجوديا فليكن التقدير: لو شاء الله أن نكف عن عبادة غيره ما عبدنا"إلخ"حتى يتحد الشرط والجزاء بحسب الحقيقة في عين أنهما يختلفان في النفي والإثبات.

وقوله:"ما عبدنا من دونه من شيء"لفظة من الأولى بيانية والثانية زائدة لتأكيد الاستغراق في النفي ، والمعنى ما عبدنا شيئا دونه ، ونظير ذلك قوله:"و لا حرمنا من دونه من شيء".

وقوله:"نحن ولا آباؤنا"بيان لضمير التكلم في"عبدنا"للدلالة على أنهم يتكلمون عنهم وعن آبائهم جميعا لأنهم كانوا يقتدون في عبادة الأصنام بآبائهم ، وقد تكرر في القرآن حكاية مثل قولهم:"إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون": الزخرف: 23.

وقوله:"و لا حرمنا من دونه من شيء"عطف على قوله:"عبدنا"إلخ أي ولو شاء الله أن لا نحرم من دونه من شيء أو نحل ما حرمناه ما حرمنا إلخ ، والمراد البحيرة والسائبة وغيرهما مما حرموه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت