فهرس الكتاب

الصفحة 2529 من 4314

فقوله:"كذلك فعل الذين من قبلهم"أي على هذا الطريق الذي سلكه هؤلاء سلك الذين من قبلهم فعبدوا غير الله وحرموا ما لم يحرمه الله ثم إذا جاءتهم رسلهم ينهونهم عن ذلك قالوا: لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء فالجملة كقوله تعالى:"كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم": الأنفال: 52.

وقوله:"فهل على الرسل إلا البلاغ المبين"أي بلغهم الرسالة بلاغا مبينا تتم به الحجة عليهم فإنما وظيفة الرسل البلاغ المبين وليس من وظيفتهم أن يلجئوا الناس إلى ما يدعونهم إليه وينهونهم عنه ولا أن يحملوا معهم إرادة الله الموجبة التي لا تتخلف عن المراد ولا أمره الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون حتى يحولوا بذلك الكفر إلى الإيمان ويضطروا العاصي على الإطاعة.

فإنما الرسول بشر مثلهم والرسالة التي بعث بها إنذار وتبشير وهي مجموعة قوانين اجتماعية أوحاها إليه الله فيها صلاح الناس في دنياهم وآخرتهم صورتها صورة الأوامر والنواهي المولوية وحقيقتها الإنذار والتبشير ، قال تعالى:"قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك": الأنعام: 50 ، فهذا ما أمر به نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبلغهم وقد أمر به نوحا ومن بعده من الرسل (عليهم السلام) أن يبلغوه أممهم كما في سورة هود وغيرها.

وقال أيضا مخاطبا نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) :"قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا": الكهف: 110.

فهذا هو الذي يشير إليه على سبيل الإجمال بقوله:"كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين"فإن ظاهره كما أشرنا إليه سابقا أن هذه حجة دائرة بينهم قديما وحديثا ، وعلى هذا ليس من شأن الرسول إجبار الناس وإلجائهم على الإيمان والطاعة بل البلاغ المبين بالإنذار والتبشير وحجتهم لا تدفع ذلك فبلغ ما أرسلت به بلاغا مبينا ولا تطمع في هداية من ضل منهم ، وستفصل الآيتان التاليتان ما أجملته هذه الآية وتوضحانها.

قوله تعالى:"و لقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة"إلخ ، الطاغوت في الأصل مصدر كالطغيان وهو تجاوز الحد بغير حق ، واسم المصدر منه الطغوى ، قال الراغب: الطاغوت عبارة عن كل متعد وكل معبود من دون الله ، ويستعمل في الواحد والجمع ، قال تعالى:"فمن يكفر بالطاغوت""و اجتنبوا الطاغوت""أولياؤهم الطاغوت".

انتهى.

وقوله:"و لقد بعثنا في كل أمة رسولا"إشارة إلى أن بعث الرسول أمر لا يختص به أمة دون أمة بل هو سنة إلهية جارية في جميع الناس بما أنهم في حاجة إليه وهو يدركهم أينما كانوا كما أشار إلى عمومه في الآية السابقة إجمالا بقوله:"كذلك فعل الذين من قبلهم".

وقوله:"أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت"بيان لبعث الرسول على ما يعطيه السياق أي ما كانت حقيقة بعث الرسول إلا أن يدعوهم إلى عبادة الله واجتناب الطاغوت لأن الأمر وكذا النهي من البشر وخاصة إذا كان رسولا ليس إلا دعوة عادية لا إلجاء واضطرارا تكوينيا ، ولا أن للرسول أن يدعي ذلك حتى يرد عليه أنه لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء وإذ لم يشأ فلا معنى للرسالة.

ومن هنا يظهر أن قول بعضهم إن التقدير ليقول لهم: اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت.

ليس في محله.

وقوله:"فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة"أي كانت كل من هذه الأمم مثل هذه الأمة منقسمة إلى طائفتين فبعضهم هو من هداه الله إلى ما دعاهم إليه الرسول من عبادة الله واجتناب الطاغوت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت