و ذلك أن الهداية من الله سبحانه لا يشاركه فيها غيره ولا تنسب إلى أحد دونه إلا بالتبع كما قال:"إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء": القصص: 56 وسنشير إليه في الآية التالية:"إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل"والآيات في حصر الهداية فيه تعالى كثيرة ، ولا يستلزم ذلك كونها أمرا اضطراريا لا صنع فيه للعبد أصلا فإنها اختيارية بالمقدمة كما يشير إليه قوله:"و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين": العنكبوت: 69 يفيد أن للهداية الإلهية طريقا ميسرا للإنسان وهو الإحسان في العمل وإن الله لمع المحسنين لا يدعهم يضلون.
وبعض هذه الأمم - الطائفة الثانية منهم - هو من حقت عليه الضلالة أي ثبتت ولزمت ، وهذه الضلالة هي التي من قبل العبد بسوء اختياره وليس بالتي تتبعها مجازاة من الله فإن الله يصفها بقوله: حقت ثم يضيفها في الآية التالية إلى نفسه إذ يقول:"فإن الله لا يهدي من يضل"فقد كانت هناك ضلالة ثم حقت وثبتت بإثبات الله مجازاة فصارت هي التي من قبل الله سبحانه مجازاة ، فتبصر.
ولم ينسب الله سبحانه في كلامه إلى نفسه إضلالا إلا ما كان مسبوقا بظلم من العبد أو فسق أو كفر وتكذيب أو نظائرها كقوله:"و الله لا يهدي القوم الظالمين": الجمعة: 5 وعدم الهداية هو الإضلال ، وقوله:"و يضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء": إبراهيم: 27 ، وقوله:"و ما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26 ، وقوله:"إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم": النساء: 168 ، وقوله:"فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم": الصف: 5 ، إلى غير ذلك من الآيات.
ولم يقل سبحانه: فمنهم من هدى الله ومنهم من أضله مع كون ضلالهم ضلال مجازاة لا مانع من إضافته إليه تعالى دفعا لإيهام نسبة أصل الضلال إليه بل ذكر أولا من هداه ثم قابله بمن كان من حقه أن يضل - وهو الذي اختار الضلالة على الهدى أي اختار أن لا يهتدي - فلم يهده الله وحق له ذلك.
وتوضيحه ببيان آخر: أن خلاصة الفرق بين الضلال الابتدائي ونسبته إلى العبد والضلال مجازاة ونسبته إليه تعالى ونسبة الهداية ابتداء ومجازاة إلى الله سبحانه هي أن الله أودع في الإنسان إمكان الرشد واستعداد الاهتداء فإن جرى على سلامة الفطرة ولم يبطل الاستعداد باتباع الهوى والمعصية أو أصلحه بالندامة والتوبة بعد المعصية هداه الله ، وهذه هداية مجازاة من الله سبحانه بعد الهداية الأولى الفطرية.
وإن اتبع هواه وعصى ربه بطل استعداده للاهتداء فلم يفض عليه الهدى وهو ضلاله بسوء اختياره فإن لم يندم ولم يراجع أثبته الله على حاله وحقت عليه الضلالة وهو الضلال مجازاة.
وربما توهم متوهم أن الإمكان والاستعداد لا يكون إلا ذا طرفين فالذي يمكنه الهدى يمكنه الضلال والإنسان لا يزال مترددا بين آثار وجودية وأفعال مثبتة والجميع منه تعالى حتى الاستعداد والإمكان الأول.
وهو من أوهن التوهم فإن عد إمكان الضلال وما يترتب عليه الضلال أمرا وجوديا وعطاء ربانيا يفسد معنى الضلال ويبطله فإن الضلال إنما هو ضلال لكونه عدم الهداية فلو عاد أمرا ثبوتيا لم يكن ضلالا بل صار الهدى والضلال كلاهما أمرين وجوديين وعطاءين إلهيين نظير ما يترتب على الجماد مثلا من الآثار الوجودية الخارجة عن الهدى والضلال.
وبعبارة أخرى: الضلال إنما يكون ضلالا إذا كان مقيسا إلى الهدى ومن الواجب حينئذ أن يكون عدم الهدى وإذا أخذ أمرا وجوديا لم يكن ضلالا فلم ينقسم الموضوع إلى مهتد وضال ولا حاله إلى هدى وضلال فلا مفر من أخذ الضلال أمرا عدميا ، ونسبة الضلال الأول إلى نفس العبد.
فأحسن التأمل فيه فلا تزل قدم بعد ثبوتها.
وقوله:"فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين"ظاهر السياق أن الخطاب للذين أشركوا القائلين:"لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء"والالتفات إلى خطابهم لكونه أشد تأثيرا في تثبيت القول وإتمام الحجة.