فهرس الكتاب

الصفحة 2538 من 4314

و لما كان أهل الشيء وخاصته أعرف بحاله وأبصر بأخباره كان على من يريد التبصر في أمره أن يرجع إلى أهله ، وأهل الكتب السماوية القائمون على دراستها وتعلمها والعمل بشرائعها هم أهل الخبرة بها والعالمون بأخبار الأنبياء الجائين بها فعلى من أراد الاطلاع على شيء من أمرهم أن يراجعهم ويسألهم.

لكن المشركين المخاطبين بمثل قوله:"فاسألوا أهل الذكر"لما كانوا لا يسلمون للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) النبوة ولا يصدقونه في دعواه ويستهزءون بالقرآن ذي الذكر كما يذكره تعالى في قوله:"و قالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون": الحجر: 6 ، لم ينطبق قوله:"فاسألوا أهل الذكر"بحسب المورد إلا على أهل التوراة ، وخاصة من حيث كونهم أعداء للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رادين لنبوته وكانت نفوس المشركين طيبة بهم لذلك ، وقد قالوا في المشركين:"هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا": النساء: 51.

وقال بعضهم: المراد بأهل الذكر أهل العلم بأخبار من مضى من الأمم سواء أ كانوا مؤمنين أم كفارا؟ وسمي العلم ذكرا لأن العلم بالمدلول يحصل غالبا من تذكر الدليل فهو من قبيل تسمية المسبب باسم السبب.

وفيه أنه من المجاز من غير قرينة موجبة للحمل عليه على أن المعهود من الموارد التي ورد فيها الذكر في القرآن الكريم غير هذا المعنى.

وقال بعضهم: المراد بأهل الذكر أهل القرآن لأن الله سماه ذكرا وأهله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه وخاصة المؤمنين.

وفيه أن كون القرآن ذكرا وأهله أهله لا ريب فيه لكن إرادة ذلك من الآية خاصة لا تلائم تمام الحجة فإن أولئك لم يكونوا مسلمين لنبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكيف يقبلون من أتباعه من المؤمنين؟.

وكيف كان فالآية إرشاد إلى أصل عام عقلائي وهو وجوب رجوع الجاهل إلى أهل الخبرة ، وليس ما تتضمنه من الحكم حكما تعبديا ، ولا أمر الجاهل بالسؤال عن العالم ولا بالسؤال عن خصوص أهل الذكر أمرا مولويا تشريعيا وهو ظاهر.

قوله تعالى:"بالبينات والزبر"متعلق بمقدر يدل عليه ما في الآية السابقة من قوله:"و ما أرسلنا"أي أرسلناهم بالبينات والزبر وهي الآيات الواضحة الدالة على رسالتهم والكتب المنزلة عليهم.

وذلك أن العناية في الآية السابقة إنما هي ببيان كون الرسل بشرا على العادة فحسب فكأنه لما ذكر ذلك اختلج في ذهن السامع أنهم بما ذا أرسلوا؟ فأجيب عنه فقيل: بالبينات والزبر أما البينات فلإثبات رسالتهم وأما الزبر فلحفظ تعليماتهم.

وقيل: هو متعلق بقوله:"و ما أرسلنا"أي وما أرسلنا بالبينات والزبر إلا رجالا نوحي إليهم.

وفيه أنه لا بأس به في نفسه لكنه مفوت لما تقدم من النكتة.

قوله تعالى:"و أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون"لا شك أن تنزيل الكتاب على الناس وإنزال الذكر على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واحد بمعنى أن تنزيله على الناس هو إنزاله إليه ليأخذوا به ويوردوه مورد العمل كما قال تعالى:"يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا": النساء: 174 ، وقال:"لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أ فلا تعقلون": الأنبياء: 10.

فيكون محصل المعنى أن القصد بنزول هذا الذكر إلى عامة البشر وأنك والناس في ذلك سواء ، وإنما اخترناك لتوجيه الخطاب وإلقاء القول لا لنحملك قدرة غيبية وإرادة تكوينية إلهية فنجعلك مسيطرا عليهم وعلى كل شيء بل لأمرين: أحدهما: أن تبين للناس ما نزل تدريجا إليهم لأن المعارف الإلهية لا ينالها الناس بلا واسطة فلا بد من بعث واحد منهم للتبيين والتعليم ، وهذا هو غرض الرسالة ينزل إليه الوحي فيحمله ثم يؤمر بتبليغه وتعليمه تبيينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت