فهرس الكتاب

الصفحة 2539 من 4314

و الثاني: رجاء أن يتفكروا فيك فيتبصروا أن ما جئت به حق من عند الله فإن الأوضاع المحيطة بك والحوادث والأحوال الواردة عليك في مدى حياتك من اليتم وخمود الذكر والحرمان من التعلم والكتابة وفقدان مرب صالح والفقر والاحتباس بين قوم جهلة أخساء صفر الأيدي من مزايا المدنية وفضائل الإنسانية كانت جميعا أسبابا قاطعة أن لا تذوق من عين الكمال قطرة ، ولا تقبض من عرى السعادة على مسكة ، لكن الله سبحانه أنزل إليك ذكرا تتحدى به على الجن والإنس مهيمنا على سائر الكتب السماوية تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبرهانا ونورا مبينا.

فالتفكر فيك نعم الدليل الهادي إلى أن ليس لك فيما جئت به صنع ولا لك من الأمر شيء وإن الله أنزله بعلمه وأيدك لذلك بقدرته من غير أن يداخله من الأسباب العادية شيء.

هذا ما تفيده الآية الكريمة نظرا إلى سياقها وسياق ما قبلها ومحصله أن قوله:"لتبين"إلخ ، غاية للإنزال لا لنفسه بل من حيث تعلقه بشخص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأن متعلق"يتفكرون"المحذوف هو نحو قولنا: فيك لا قولنا: في الذكر.

لكن القوم ذكروا أن قوله:"لتبين"غاية للإنزال وأن المراد بالتفكر التفكر في الذكر ليعلم بذلك أنه حق ومعنى الآية على هذا: وأنزلنا إليك الذكر أي القرآن لتبين للناس كافة ما نزل إليهم في ذلك الذكر من أصول المعارف والأحكام والشرائع وأحوال الأمم الماضية وما جرى فيهم من سنة الله تعالى ، ولرجاء أن يتفكروا في الذكر فيهتدوا إلى أنه حق من عند الله أو يتفكروا فيما تبينه لهم.

وأنت خبير بأن لازم ذلك أولا شبه تحصيل الحاصل في إنزاله إليه ليبين لهم ما نزل إليهم ، والإنزال واحد ، ولا مدفع له إلا أن يغير النظم إلى مثل قولنا: وأنزلنا إليك الذكر لتبينه لهم.

وثانيا: كون قوله:"إليك"مستدركا مستغنى عنه وخاصة بالنظر إلى قوله:"و لعلهم يتفكرون"وذلك أن الإنزال غايته التبيين ولا أثر في ذلك لكونه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو المنزل إليه دون غيره ، وكذلك التفكر في الذكر غاية مرجوة للعلم بأنه حق من عند الله من غير نظر إلى من أنزل إليه ، ولازم ذلك كون قوله:"إليك"زائدا في الكلام لا حاجة إليه.

وثالثا: انقطاع الآية بسياقها عن سياق الآية السابقة عليها:"و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم"والآيات المتقدمة عليها.

وهاهنا وجه آخر يمكن أن يندفع به بعض الإشكالات السابقة وهو كون المراد بالذكر المنزل لفظ القرآن الكريم وبما نزل إليهم معاني الأحكام والشرائع وغيرها ، ويكون قوله:"لتبين"غاية للإنزال ، وقوله:"و لعلهم يتفكرون"معطوفا على مقدر وغاية للتبيين لا للإنزال ، وهو خلاف ظاهر الآية ، وعليك بإجادة التدبر فيها.

ومن لطيف التعبير في الآية قوله:"و أنزلنا إليك"و"ما نزل إليهم"بتفريق الفعلين بالأفعال الدال على اعتبار الجملة والدفعة والتفعيل الدال على اعتبار التدريج ، ولعل الوجه في ذلك أن العناية في قوله:"و أنزلنا إليك"بتعلق الإنزال بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط من غير نظر إلى خصوصية نفس الإنزال ، ولذلك أخذ الذكر جملة واحدة فعبر عن نزوله من عنده تعالى بالإنزال.

وأما الناس فإن الذي لهم من ذلك هو الأخذ والتعلم والعمل ، وقد كان تدريجيا ولذلك عني به وعبر عن نزوله إليهم بالتنزيل.

وفي الآية دلالة على حجية قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيان الآيات القرآنية ، وأما ما ذكره بعضهم أن ذلك في غير النص والظاهر من المتشابهات أو فيما يرجع إلى أسرار كلام الله وما فيه من التأويل فمما لا ينبغي أن يصغى إليه.

هذا في نفس بيانه (صلى الله عليه وآله وسلم) ويلحق به بيان أهل بيته لحديث الثقلين المتواتر وغيره وأما سائر الأمة من الصحابة أو التابعين أو العلماء فلا حجية لبيانهم لعدم شمول الآية وعدم نص معتمد عليه يعطي حجية بيانهم على الإطلاق.

وأما قوله تعالى:"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"فقد تقدم أنه إرشاد إلى حكم العقلاء بوجوب رجوع الجاهل إلى العالم من غير اختصاص الحكم بطائفة دون طائفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت