هذا كله في نفس بيانهم المتلقى بالمشافهة ، وأما الخبر الحاكي له فما كان منه بيانا متواترا أو محفوفا بقرينة قطعية وما يلحق به فهو حجة لكونه بيانهم ، وأما ما كان مخالفا للكتاب أو غير مخالف لكنه ليس بمتواتر ولا محفوفا بالقرينة فلا حجية فيه لعدم كونه بيانا في الأول وعدم إحراز البيانية في الثاني وللتفصيل محل آخر.
قوله تعالى:"أ فأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون"هذه الآية والآيتان بعدها إنذار وتهديد للمشركين وهم الذين يعبدون غير الله سبحانه ويشرعون لأنفسهم سننا يستنون بها في الحياة فما يعملون من الأعمال مستقلين فيها بأنفسهم معرضين عن شرائع الله النازلة من طريق النبوة استنادا إلى حجج داحضة اختلقوها لأنفسهم كلها سيئات وما يتقلبون فيها مدى حياتهم من حركة أو سكون وأخذ أو رد وفعل أو ترك وهم على ما هم عليه من استكبار وغرور ، كلها ذنوب يقترفونها مكرا بالله ربهم وبرسله الداعين إلى الأخذ بدين الله ولزوم سبيله.
فقوله:"السيئات"مفعول"مكروا"بتضمينه بمعنى عملوا أي عملوا السيئات ماكرين ، وما احتمله بعضهم من كون السيئات وصفا سادا مسد المفعول المطلق والتقدير: يمكرون المكرات السيئات بعيد من السياق.
وبالجملة الكلام لتهديد المشركين وإنذارهم بالعذاب الإلهي ويدخل فيهم مشركوا مكة ، والكلام متفرع على ما تقدم كما يدل عليه قوله:"أ فأمن"بفاء التفريع.
والمعنى - والله أعلم - فإذا دلت الآيات البينات على أن الله هو ربهم لا شريك له في ربوبيته وأن الرسالة ليست بأمر محال بل هي دعوة إلى ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم وخير دنياهم وأخراهم من رجال هم أمثالهم يبعثهم الله ويوحي إليهم بما تشتمل عليه الدعوة ، فهؤلاء الذين يعرضون عن ذلك ويمكرون بالله ورسله بالتشبث بهذه الحجج الواهية لتسوية الطريق إلى ترك دين الله وتشريع ما يوافق أهواءهم ويعملون السيئات هل أمنوا أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب وهم لا يشعرون ، أي يفاجئهم من غير أن يتنبهوا بتوجهه إليهم قبل نزوله.
قوله تعالى:"أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين"الفاعل هو الله سبحانه وقد كثرت في القرآن نسبة الأخذ إليه ، وقيل: الضمير للعذاب ، والتقلب هو التحول من حال إلى حال والمراد به تحول المشركين في مقاصدهم وأعمالهم السيئة وانتقالهم من نعمة إلى نعمة أخرى من نعم الحياة الدنيا ، قال تعالى:"لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد": آل عمران: 197.
فالمراد بأخذهم في تقلبهم أن يأخذهم في عين ما يتقلبون فيه من السيئات مكرا بالله ورسله بالعذاب أو المعنى يعذبهم بنفس ما يتقلبون فيه فيعود النعمة نقمة ، وهذا أنسب بالنظر إلى قوله:"فما هم بمعجزين".
وقوله:"فما هم بمعجزين"في مقام التعليل لأخذهم في تقلبهم ومكرهم السيئات أي لأنهم ليسوا بمعجزين لله فيما أراد بالتغلب عليه أو بالفرار من حكمه ، والمعنى ظاهر.
قوله تعالى:"أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم"التخوف تمكن الخوف من النفس واستقراره فيها فالأخذ على تخوف هو العذاب مبنيا على المخافة بأن يشعروا بالعذاب فيتقوه ويحذروه بما استطاعوا من توبة وندامة ونحوهما فيكون الأخذ على تخوف مقابلا لإتيان العذاب من حيث لا يشعرون.
وربما قيل: إن الأخذ على تخوف هو العذاب بما يخاف منه من غير هلاك كالزلزلة والطوفان وغيرهما.
وربما قيل: إن معنى التخوف التنقص بأن يأخذهم الله بنقص النعم واحدة بعد واحدة تدريجيا كأخذ الأمن ثم الأمطار ثم الرخص ثم الصحة وهكذا.
وقوله:"إن ربكم لرءوف رحيم"في مقام التعليل أي يأخذهم على تخوف ويتنزل في عذابهم إلى هذا النوع من العذاب الذي هو أهون الأنواع المعدودة لأنه رءوف رحيم ، وفي التعبير بقوله:"ربكم"إشارة إلى ذلك ، وكونه في مقام التعليل بالنسبة إلى الوجهين الأولين ظاهر ، وأما بالنسبة إلى الثالث فلأن الأخذ بالنقص لا يخلو من مهلة وفرصة يتنبه فيها من تنبه فيأخذ بالحذر بتوبة أو غيرها.
والكلام في تعداد أنواع العذاب المذكورة ليس مسوقا للحصر كما نبه به بعضهم بل إحصاء لأنواع منه.