و يدخل في عموم الدابة الإنسان وكذا الجن لأنه سبحانه يصفهم في كلامه بما يفيد أن لهم دبيبا كما لسائر الدواب من الإنسان والحيوان ، ولم يدخل سبحانه الملائكة في عموم الدابة وأفردهم بالذكر ، وفي ذلك من التلويح إلى أن ما نسب إليهم في كلامه تعالى من النزول والصعود والذهاب والمجيء مما ظاهره النقلة والحركة المكانية ليس من نوع ما للدواب من الدبيب والانتقال المكاني ما لا يخفى.
فقوله:"و لله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة"أي له يخضع وينقاد خضوعا وانقيادا ذاتيا هي حقيقة السجود فمن حقه تعالى أن يعبد ويسجد له.
وفي الآية دلالة على أن في غير الأرض من السماوات شيئا من الدواب يسكنها ويعيش فيها.
وقوله:"و الملائكة وهم لا يستكبرون"الاستكبار والتكبر من الإنسان أن يعد نفسه كبيرا ويضعه موضع الكبر وليس به ولذلك يعد في الرذائل لكن التكبر ربما يطلق على ما لله سبحانه من الكبرياء بالحق وهو الكبير المتعال فهو تعالى كبير متكبر وليس يقال: مستكبر ولعل ذلك كذلك اعتبارا باللفظ فإن الاستكبار بحسب أصل هيئته طلب الكبر ولازمه أن لا يكون ذلك حاصلا للطالب من نفسه وإنما يطلب الكبر والعلو على غيره دعوى فكان مذموما ، وأما التكبر فهو الظهور بالكبرياء سواء كانت له في نفسه كما لله سبحانه وهو التكبر الحق أو لم يكن له إلا دعوى وغرورا كما في غيره.
فتبين بذلك أن الاستكبار مذموم دائما أما استكبار المخلوق على مخلوق آخر فلأن الفقر والحاجة قد استوعبهما جميعا وشيء منهما لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا لغيره فاستكبار أحدهما على الآخر خروج منه عن حده وتجاوز عن طوره وظلم وطغيان.
وأما استكبار المخلوق على الخالق فلا يتم إلا مع دعوى المخلوق الاستقلال والغنى لنفسه وذهوله عن مقام ربه فإن النسبة بين العبد وربه نسبة الذلة والعزة والفقر والغنى فما لم يغفل العبد عن هذه النسبة ولم يذهل عن مشاهدة مقام ربه لم يعقل استكباره على ربه فإن الصغير الوضيع القائم أمام الكبير المتعالي وهو يشاهد صغار نفسه وذلته وكبرياء من هو أمامه وعزته لا يتيسر له أن يرى لنفسه كبرياء وعزة إلا أن يأخذه غفلة وذهول.
وإذ كان الكبرياء والعلو لله جميعا فدعواه الكبرياء والعلو تغلب منه على ربه وغصب منه لمقامه واستكبار واستعلاء عليه دعوى ، وهذا هو الاستكبار بحسب الذات ويتبعه الاستكبار بحسب الفعل وهو أن لا يأتمر بأمره ولا ينتهي عن نهيه فإنه ما لم ير لنفسه إرادة مستقلة قبال الإرادة الإلهية مغايرة لها لم ير لنفسه أن يخالفه في أمره ونهيه.
وعلى هذا فقوله:"و هم لا يستكبرون"في تعريف الملائكة والكلام في سياق العبودية دليل على أنهم لا يستكبرون على ربهم فلا يغفلون عنه تعالى ولا يذهلون عن الشعور بمقامه ومشاهدته.
وقد أطلق نفي الاستكبار من غير أن يقيده بما بحسب الذات أو بحسب الفعل فأفاد أنهم لا يستكبرون عليه في ذات ولا فعل أي لا يغفلون عنه سبحانه ولا يستنكفون عن عبادته ولا يخالفون عن أمره ، ولبيان هذا الإطلاق والشمول عقبه بيانا له بقوله:"يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون"وأشار بذلك إلى نفي الاستكبار عنهم ذاتا وفعلا.
توضيح ذلك أن قوله:"يخافون ربهم من فوقهم"يثبت لهم الخوف من ربهم والله سبحانه ليس عنده إلا الخير ولا شر عنده ولا سبب شر يخاف منه إلا أن يكون الشر وسببه عند العبد وقد أخذ متعلق الخوف هو ربهم لا عذابه تعالى أو عصيان أمره كما في قوله:"و يرجون رحمته ويخافون عذابه": إسراء: 57.
فهذه المخافة هي المخافة منه تعالى وهو وإن لم يكن عنده إلا الخير ، والخوف إنما يكون من شر مترقب إلا أن حقيقته التأثر والانكسار والصغار وتأثر الضعيف قبال القوي الظاهر بقوته ، وانكسار الصغير الوضيع أمام الكبير المتعال القاهر بكبريائه وتعاليه ضروري فمخافتهم هي تأثرهم الذاتي عما يشاهدونه من مقام ربهم ولا يغفلون عنه قط.
ويؤيد ما ذكرناه تقييد قوله:"يخافون ربهم"بقوله"من فوقهم"فإن فيه إشارة إلى أن كونه تعالى فوقهم قاهرا لهم متعاليا بالنسبة إليهم هو السبب في مخافتهم ، وليس هذا إلا الخوف من مقامه تعالى لا من عذابه فهو خوف ذاتي ويرجع إلى نفي الاستكبار عن ذواتهم.