فهرس الكتاب

الصفحة 2543 من 4314

و أما قوله:"و يفعلون ما يؤمرون"فإشارة إلى عدم استكبارهم في مقام الفعل وقد تقدم أنه إذا لم يستكبر عليه تعالى في ذات لم يستكبر عليه في فعل فهم لا يعصون الله سبحانه في أمر بل يفعلون ما يؤمرون ، وفي إتيان قوله:"يؤمرون"مبنيا للمجهول من التعظيم والتفخيم لمقامه سبحانه ما لا يخفى.

فتبين أن الملائكة نوع من خلق الله تعالى لا تأخذهم غفلة عن مقام ربهم ولا يطرأ عليهم ذهول ولا سهو ولا نسيان عن ذلك ولا يشغلهم عنه شاغل ، وهم لا يريدون إلا ما يريده الله سبحانه.

وإنما خص سبحانه الملائكة من بين الساجدين المذكورين في الآية بذكر شأنهم وتعريف أوصافهم وتفصيل عبوديتهم لأن أكثر آلهة الوثنيين من الملائكة كإله السماء وإله الأرض وإله الرزق وإله الجمال وغيرهم ، وللدلالة على أنهم - بالرغم من زعم الوثنيين - أمعن خلق الله تعالى في عبوديته وعبادته.

ومن عجيب الاستدلال ما استدل به بعضهم بالآية على أن الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء كمثلنا أما دلالتها على التكليف فلمكان الأمر ، وأما إدارتهم بين الخوف والرجاء فلأن الآية ذكرت خوفهم والخوف يستلزم الرجاء.

وهو ظاهر الفساد أما الأمر فقد ورد في كلامه تعالى في موارد لا تكليف فيها قطعا كالسماء والأرض وغيرهما قال تعالى:"فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين": حم السجدة: 11 ، وقال:"و يوم يقول كن فيكون".

وأما استلزام الخوف للرجاء فإنما الملازمة ما بين الخوف من نزول العذاب وأصابة المكروه وبين الرجاء ، وقد تقدم أن الذي في الآية إنما هو خوف مهابة وإجلال بمعنى تأثر الضعيف من القوي وانكسار الصغير الحقير قبال العظيم الكبير الظاهر عليه بعظمته وكبريائه ولا مقابلة بين الخوف بهذا المعنى وبين الرجاء.

وقد استدل بالآية أيضا على أن الملائكة أفضل من البشر ، وفيه أن من الممكن استظهار أفضليتهم من عصاة البشر وكفارهم ممن يفقد الصفات المذكورة لكونها مسوقة في مقام المدح وأما غيرهم فلا تعرض للآية لهم إثباتا ونفيا وسيأتي تفصيل القول في الملائكة في موضع يليق به إن شاء الله.

قوله تعالى:"و قال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون"الرهبة الخوف وتقابل الرغبة كما أن الخوف يقابل به الرجاء.

والكلام معطوف على قوله:"و لله يسجد"وقيل: معطوف على قوله:"و أنزلنا إليك الذكر"وقيل: على قوله:"ما خلق الله"على طريقة قوله: علفتها تبنا وماء باردا أي وسقيتها ماء باردا ، والتقدير في الآية أ ولم يروا إلى ما خلق الله من شيء وأ لم يسمعوا إلى ما قال الله"لا تتخذوا"إلخ؟ والأول هو الوجه.

وقوله:"لا تتخذوا إلهين اثنين"أريد به - والله أعلم - النهي عن التعدي عن الإله الواحد باتخاذ غيره معه فيشمل الاثنين وما فوقه من العدد ويؤيده تأكيده بقوله:"إنما هو إله واحد"و"اثنين"صفة"إلهين"كما أن"واحد"صفة"إله"جيء بهما للإيضاح والتبيين.

وبعبارة أخرى العناية متعلقة بالنهي عن اتخاذ غيره معه سواء كان واحدا أو أكثر من واحد لكن لما كان كل عدد اختاروه في الإله فوق الاثنين يجب أن يسلكوا إليه من الاثنين إذ لا يتحقق عدد هو فوق الاثنين إلا بعد تحقق الاثنين نهى عن اتخاذ الاثنين واكتفى به عن النهي عن كل عدد فوق الواحد.

ويمكن أن يكون اعتبار الاثنين نظرا إلى ما عليه دأبهم وسنتهم فإنهم يعتقدون من الإله بإله الصنع والإيجاد وهو الذي له الخلق فحسب وهو إله الآلهة وموجد الكل ، وبإله العبادة وهو الذي له الربوبية والتدبير ، وهذا المعنى أنسب بما يتلوه من الجمل.

وعلى هذا فالمعنى لا تتخذوا إلهين اثنين: إله الخلق وإله التدبير الذي له العبادة إنما هو أي الإله إله واحد له الخلق والتدبير جميعا لأن كل تدبير ينتهي إلى الإيجاد ، وإذ كنت أنا الخالق الموجد فأنا المدبر الذي تجب عبادته فإياي فارهبون وإياي فاعبدون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت