فهرس الكتاب

الصفحة 2557 من 4314

و قوله:"فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم"قرينة على أن المراد هو القسم الثاني من التفضيل وهو أن بعضهم فضل بالحرية والاستقلال بملك ما رزق وليس يختار أن يرد ما رزق باستقلاله وحريته إلى من يملكه ويملك رزقه ، ولا أن يبذل له ما أوتيه من نعمة حتى يتساويا ويتشاركا فيبطل ملكه ويذهب سودده.

فهذه نعمة ليسوا بمغمضين عنها ولا برادين لها على غيرهم ، وليست إلا من الله سبحانه فإن أمر المولوية والرقية وإن كان من الشئون الاجتماعية التي ظهرت عن آراء الناس والسنن الاجتماعية الجارية في مجتمعاتهم لكن له أصول طبيعية تكوينية هي التي بعثت آراءهم على اعتباره كسائر الأمور الاجتماعية العامة.

ومن الشاهد على ذلك أن الأمم الراقية منذ عهد طويل أعلنوا بإلغاء سنة الاسترقاق ثم اتبعتهم سائر الأمم من الشرقيين وغيرهم وهم لا يزالون يحترمون معناها إلى هذه الغاية وإن ألغوا صورتها ، ويجرون مسماها وإن هجروا اسمها ولن يزالوا كذلك فليس في وسع الإنسان أن يسد باب المغالبة ، وقد قدمنا كلاما في هذا المعنى في آخر الجزء السادس من هذا الكتاب فليراجعه من شاء.

وكون هذا المعنى نعمة من الله إنما هو لأن من صلاح المجتمع الإنساني أن يتسلط بعضهم على بعض فيصلح القوي الضعيف بصالح التدبير ويكمله.

وعلى هذا فقوله:"فهم فيه سواء"متفرع على المنفي في قوله:"فما الذين فضلوا برادي رزقهم"دون النفي ، والمعنى: ليسوا برادي رزقهم على عبيدهم فيكونوا متساوين فيه متشاركين وفي ذلك ذهاب مولويتهم ، ويحتمل أن يكون جملة استفهامية حذفت منها أداة الاستفهام وفيها إنكار أن يكون المفضلون والمفضل عليهم في ذلك متساويين ، ولو كانوا سواء لم يمتنع المفضل من أن يرد رزقه على من فضل عليه فإن في ذلك دلالة على أنها نعمة خصه الله بها.

ولذلك عقبه ثانيا بقوله:"أ فبنعمة الله يجحدون"وهو استفهام توبيخي كالمتفرع لما تقدمه من الاستفهام الإنكاري ، والمراد بنعمة الله هذا التفضيل المذكور بعينه.

والمعنى - والله أعلم - والله فرق بينكم بأن فضل بعضكم على بعض في الرزق فبعضكم حر مستقل في التصرف فيه ، وبعضكم عبد تبع له لا يتصرف إلا عن إذن فليس الذين فضلوا برادي رزقهم الذي رزقوه على سبيل الحرية والاستقلال على ما ملكت أيمانهم حتى يكون هؤلاء المفضلون والمفضل عليهم في الرزق سواء فليسوا سواء بل هي نعمة تختص بالمفضلين أ فبنعمة الله يجحدون؟.

هذا ما يفيده ظاهر الآية بما احتفت به من القرائن ، والسياق سياق تعداد النعم ، وربما قرر معنى الآية على وجه آخر فقيل: المعنى أنهم لا يشركون عبيدهم في أموالهم وأزواجهم حتى يكونوا في ذلك سواء ويرون ذلك نقصا لأنفسهم فكيف يشركون عبيدي في ملكي وسلطاني ويعبدونهم ويتقربون إليهم كما يعبدونني ويتقربون إلي ، كما فعلوا في عيسى بن مريم (عليهما السلام) ؟.

قالوا: والآية على شاكلة قوله تعالى:"ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء": الروم: 28 قالوا: والآية نزلت في نصارى نجران.

وفيه أن سياق الآية هو سياق تعداد النعم لاستنتاج التوحيد لا المناقضة والتوبيخ فلا أثر فيها منه.

على أن الآية مما نزلت بمكة وأين ذاك من وفود نصارى نجران على المدينة سنة ست من الهجرة أو بعدها؟ وقياس هذه الآية من آية سورة الروم مع الفارق لاختلاف السياقين ، فسياق هذه الآية سياق الاحتجاج بذكر النعمة وسياق آية الروم هو سياق التوبيخ على الشرك.

وقيل: إن المعنى فهؤلاء الذين فضلهم الله في الرزق من الأحرار لا يرزقون مماليكهم وعبيدهم بل الله تعالى هو رازق الملاك والمماليك فإن الذي ينفقه المولى على مملوكه إنما ينفقه مما رزقهم الله فالله رازقهم جميعا فهم فيه سواء.

ومحصله أن قوله:"فهم فيه سواء"حال محل إضراب مقدر والتقدير أن الموالي ليسوا برادي رزق أنفسهم على عبيدهم فيما ينفقون عليهم بل الله يرزق العبيد بأيدي مواليهم وهم سواء في الرزق من الله.

وفيه أن ما قرر من المعنى مقتضاه أن يبطل التسوية أخيرا حكم التفضيل أولا ، ولا يستقيم عليه مدلول قوله:"أ فبنعمة الله يجحدون".

وقيل: المراد أن الموالي ليسوا برادي ما بأيديهم من الرزق على مواليهم حتى يستووا في التمتع منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت