و فيه أنه يعود حينئذ إلى أن الإنسان يمنع غيره من أن يتسلط على ما ملكه من الرزق ، وحينئذ يكون تخصيص ذلك بالعبيد مستدركا زائدا ، ولو وجه بأنه إنما لا يرده عليه لمكان تسلطه على عبيده رجع إلى ما قدمناه من المعنى ، ولكانت النعمة المعدودة هي الفضل من جهة مالكية المولى لعبده ولما عنده من الرزق.
قوله تعالى:"و الله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة"إلى آخر الآية.
قال في المفردات:"قال الله تعالى وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة"جمع حافد وهو المتحرك المسرع بالخدمة أقارب كانوا أو أجانب.
قال المفسرون: هم الأسباط ونحوهم وذلك أن خدمتهم أصدق - إلى أن قال - قال الأصمعي: أصل الحفد مداركة الخطو.
انتهى.
وفي المجمع: وأصل الحفد الإسراع في العمل - إلى أن قال - ومنه قيل للأعوان حفدة لإسراعهم في الطاعة.
انتهى.
والمراد بالحفدة في الآية الأعوان الخدم من البنين لمكان قوله:"و جعل لكم من أزواجكم"ولذا فسر بعضهم قوله:"بنين وحفدة بصغار الأولاد وكبارهم ، وبعضهم بالبنين والأسباط وهم بنو البنين."
والمعنى: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا تألفونها وتأنسون بها ، وجعل لكم من أزواجكم بالإيلاد بنين وحفدة وأعوانا تستعينون بخدمتهم على حوائجكم وتدفعون بهم عن أنفسكم المكاره ورزقكم من الطيبات وهي ما تستطيبونه من أمتعة الحياة وتنالونه بلا علاج وعمل كالماء والثمرات أو بعلاج وعمل كالأطعمة والملابس ونحوها ، و"من"في"من الطيبات"للتبعيض وهو ظاهر.
ثم وبخهم بقوله:"أ فبالباطل"وهي الأصنام والأوثان ومن ذلك القول بالبنات لله ، والأحكام التي يشرعها لهم أئمتهم أئمة الضلال"يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون"والنعمة هي جعل الأزواج من أنفسهم وجعل البنين والحفدة من أزواجهم فإن ذلك من أعظم النعم وأجلاها لكونه أساسا تكوينيا يبتني عليه المجتمع البشري ، ويظهر به فيهم حكم التعاون والتعاضد بين الأفراد ، وينتظم به لهم أمر تشريك الأعمال والمساعي فيتيسر لهم الظفر بسعادتهم في الدنيا والآخرة.
ولو أن الإنسان قطع هذا الرابط التكويني الذي أنعم الله به عليه وهجر هذا السبب الجميل ، وإن توسل بأي وسيلة غيره لتلاشى جمعه وتشتت شمله وفي ذلك هلاك الإنسانية.
قوله تعالى:"و يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون"عطف على موضع الجملة السابقة والمعنى يكفرون بنعمة الله ويعبدون من دون الله ما لا يملك إلخ.
وقد ذكروا أن"رزقا"مصدر و"شيئا"مفعوله والمعنى لا يملك لهم أن يرزق شيئا وقيل: الرزق بمعنى المرزوق و"شيئا"بدل منه ، وقيل: إن"شيئا"مفعول مطلق والتقدير: لا يملك شيئا من الملك.
وخير الوجوه أوسطها.
ويمكن أن يقال:"من السماوات والأرض شيئا"بدل من"رزقا"وهو من بدل الكل من البعض يفيد معنى الإضراب والترقي ، والمعنى ويعبدون ما لا يملك لهم رزقا بل لا يملك لهم في السماوات والأرض شيئا.
وقوله:"و لا يستطيعون"أي ولا يستطيعون أن يملكوا رزقا وشيئا ويمكن أن يكون منسي المتعلق جاريا مجرى اللازم أي ولا استطاعة لهم أصلا.
وقد اجتمع في الآية رعاية الاعتبارين في الأصنام فإنها من جهة أنها معمولة من حجر أو خشب أو ذهب أو فضة غير عاقلة وبهذا الاعتبار قيل:"ما لا يملك"إلخ ، ومن جهة أنهم يعدونها آلهة دون الله ويعبدونها والعبادة لا تكون إلا لعاقل منسلكة - على زعمهم - في سلك العقلاء ، وبهذا الاعتبار قيل:"و لا يستطيعون".
وفي الآية رجوع إلى التخلص لبيان الغرض من تعداد النعم وهو التوحيد وإثبات النبوة بمعنى التشريع والمعاد يجري ذلك إلى تمام أربع آيات ينهى في أولاها عن ضربهم الأمثال لله سبحانه ، ويضرب في الثانية مثلا تبين به وحدانيته تعالى في ربوبيته ، وفي الثالثة مثلا يتبين به أمر النبوة والتشريع ، ويتعرض في الرابعة لأمر المعاد.