فهرس الكتاب

الصفحة 2559 من 4314

قوله تعالى:"فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون"الظاهر السابق إلى الذهن أن المراد بضرب الأمثال التوصيف المصطلح عليه بالاستعارة التمثيلية وهي إجراء الأوصاف عليه تعالى بضرب من التشبيه كقولهم: إن له بنات كالإنسان ، وإن الملائكة بناته ، وإن بينه وبين الجنة نسبا وصهرا ، وإنه كيف يحيي العظام وهي رميم إلى غير ذلك ، وهذا هو المعنى المعهود من هذه الكلمة في كلامه تعالى ، وقد تقدم في خلال الآيات السابقة قوله:"للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى".

فالمعنى: إذا كان الأمر على ما ذكر فلا تصفوه سبحانه بما تشبهونه بغيره وتقيسونه إلى خلقه لأن الله يعلم وأنتم لا تعلمون حقائق الأمور وكنهه تعالى.

وقيل: المراد بالضرب الجعل ، وبالأمثال ما هو جمع المثل بمعنى الند ، فقوله: فلا تضربوا لله الأمثال في معنى قوله في موضع آخر:"فلا تجعلوا لله أندادا": البقرة: 22 ، وهو معنى بعيد.

قوله تعالى:"ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء"إلى آخر الآية ، ما في الآية من المثل المضروب يفرض عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ، وآخر رزق من الله رزقا حسنا ينفق منه سرا وجهرا ثم يسأل هل يستويان واعتبار التقابل بين المفروضين يعطي أن كلا من الطرفين مقيد بخلاف ما في الآخر من الوصف مع تبيين الأوصاف بعضها لبعض.

فالعبد المفروض مملوك غير مالك لا لنفسه ولا لشيء من متاع الحياة وهو غير قادر على التصرف في شيء من المال ، والذي فرض قباله حر يملك نفسه وقد رزقه الله رزقا حسنا وهو ينفق منه سرا وجهرا على قدرة منه على التصرف بجميع أقسامه.

وقوله:"هل يستوون"سؤال عن تساويهما ، ومن البديهي أن الجواب هو نفي التساوي ويثبت به أن الله سبحانه وهو المالك لكل شيء المنعم بجميع النعم لا يساوي شيئا من خلقه وهم لا يملكون لا أنفسهم ولا غيرهم ولا يقدرون على شيء من التصرف فمن الباطل قولهم: إن مع الله آلهة غيره وهم من خلقه.

والتعبير بقوله:"يستوون"دون أن يقال: يستويان للدلالة على أن المراد من ذلك الجنس من غير أن يختص بمولى وعبد معينين كما قيل.

وقوله:"الحمد لله"أي له عز اسمه جنس الحمد وحقيقته وهو الثناء على الجميل الاختياري لأن جميل النعمة من عنده ولا يحمد إلا الجميل فله تعالى كل الحمد كما أن له جنسه فافهم ذلك.

والجملة من تمام الحجة ومحصلها أنه لا يستوي المملوك الذي لا يقدر أن يتصرف في شيء وينعم بشيء ، والمالك الذي يملك الرزق ويقدر على التصرف فيه فيتصرف وينعم كيف شاء ، والله سبحانه هو المحمود بكل حمد إذ ما من نعمة إلا وهي من خلقه فله كل صفة يحمد عليها كالخلق والرزق والرحمة والمغفرة والإحسان والإنعام وغيرها ، فله كل ثناء جميل ، وما يعبدون من دونه مملوك لا يقدر على شيء فهو سبحانه الرب وحده دون غيره.

وقد قيل: إن الحمد في الآية شكر على نعمه تعالى ، وقيل: حمد على تمام الحجة وقوتها ، وقيل: تلقين للعباد ومعناه قالوا: الحمد لله الذي دلنا على توحيده وهدانا إلى شكر نعمه ، وهي وجوه لا يعبأ بها.

وقوله:"بل أكثرهم لا يعلمون أي أكثر المشركين لا يعلمون أن النعمة كلها لله لا يملك غيره شيئا ولا يقدر على شيء بل يثبتون لأوليائهم شيئا من الملك والقدرة على سبيل التفويض فيعبدونهم طمعا وخوفا ، هذا حال أكثرهم وأما أقلهم من الخواص فإنهم على علم من الحق لكنهم يحيدون عنه بغيا وعنادا."

وقد تبين مما تقدم أن الآية مثل مضروب في الله سبحانه وفيمن يزعمونه شريكا له في الربوبية ، وقيل: إنها مثل تمثل به حال الكافر المخذول والمؤمن الموفق فإن الكافر لإحباط عمله وعدم الاعتداد بأعماله كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء فلا يعد له إحسان وإن أنفق وبالغ بخلاف المؤمن الذي يوفقه الله لمرضاته ويشكر مساعيه فهو ينفق مما عنده من الخير سرا وجهرا.

وفيه أنه لا يلائم سياق الاحتجاج الذي للآيات ، وقد تقدم أن الآية إحدى الآيات الثلاث المتوالية التي تتعرض لغرض تعداد النعم الإلهية ، وهي تذكر بالتوحيد بمثل يقيس حال من ينعم بجميع النعم من حال من لا يملك شيئا ولا يقدر على شيء فيستنتج أن الرب هو المنعم لا غير.

قوله تعالى:"و ضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم"إلى آخر الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت