قال في المجمع: ، الأبكم الذي يولد أخرس لا يفهم ولا يفهم ، وقيل: الأبكم الذي لا يقدر أن يتكلم والكل الثقل يقال: كل عن الأمر يكل كلا إذا ثقل عليه فلم ينبعث فيه.
وكلت السكين كلولا إذا غلظت شفرتها ، وكل لسانه إذا لم ينبعث في القول لغلظه وذهاب حده فالأصل فيه الغلظ المانع من النفوذ ، والتوجيه: الإرسال في وجه من الطريق ، يقال: وجهته إلى موضع كذا فتوجه إليه.
انتهى.
فقوله:"و ضرب الله مثلا رجلين"مقايسة أخرى بين رجلين مفروضين متقابلين في أوصافهما المذكورة.
وقوله:"أحدهما أبكم لا يقدر على شيء"أي محروم من أن يفهم الكلام ويفهم غيره بالكلام لكونه أبكم لا يسمع ولا ينطق فهو فاقد لجميع الفعليات والمزايا التي يكتسبها الإنسان من طريق السمع الذي هو أوسع الحواس نطاقا ، به يتمكن الإنسان من العلم بأخبار من مضى وما غاب عن البصر من الحوادث وما في ضمائر الناس ويعلم العلوم والصناعات ، وبه يتمكن من إلقاء ما يدركه من المعاني الجليلة والدقيقة إلى غيره ، ولا يقوى الأبكم على درك شيء منها إلا النزر اليسير مما يساعد عليه البصر بإعانة من الإشارة.
فقوله:"لا يقدر على شيء"مخصص عمومه بالأبكم أي لا يقدر على شيء مما يقدر عليه غير الأبكم وهو جملة ما يحرمه الأبكم من تلقي المعلومات وإلقائها.
وقوله:"و هو كل على مولاه"أي ثقل وعيال على من يلي ويدبر أمره فهو لا يستطيع أن يدبر أمر نفسه ، وقوله:"أينما يوجهه لا يأت بخير"أي إلى أي جهة أرسله مولاه لحاجة من حوائج نفسه أو حوائج مولاه لم يقدر على رفعها فهو لا يستطيع أن ينفع غيره كما لا ينفع نفسه ، فهذا أعني قوله:"أحدهما أبكم لا يقدر على شيء"إلخ ، مثل أحد الرجلين ، ولم يذكر سبحانه مثل الآخر لحصول العلم به من قوله:"هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل"إلخ ، وفيه إيجاز لطيف.
وقوله:"هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم"فيه إشارة إلى وصف الرجل المفروض وسؤال عن استوائهما إذا قويس بينهما وعدمه.
أما الوصف فقد ذكر له منه آخر ما يمكن أن يتلبس به غير الأبكم من الخير والكمال الذي يحلي نفسه ويعدو إلى غيره وهو العدل الذي هو التزام الحد الوسط في الأعمال واجتناب الإفراط والتفريط فإن الأمر بالعدل إذا جرى على حقيقته كان لازمه أن يتمكن الصلاح من نفس الإنسان ثم ينبسط على أعماله فيلتزم الاعتدال في الأمور ثم يحب انبساطه على أعمال غيره من الناس فيأمرهم بالعدل وهو - كما عرفت - مطلق التجنب عن الإفراط والتفريط أي العمل الصالح أعم من العدل في الرعية.
ثم وصفه بقوله:"و هو على صراط مستقيم"وهو السبيل الواضح الذي يهدي سالكيه إلى غايتهم من غير عوج ، والإنسان الذي هو في مسير حياته على صراط مستقيم يجري في أعماله على الفطرة الإنسانية من غير أن يناقض بعض أعماله بعضا أو يتخلف عن شيء مما يراه حقا وبالجملة لا تخلف ولا اختلاف في أعماله.
وتوصيف هذا الرجل المفروض الذي يأمر بالعدل بكونه على صراط مستقيم يفيد أولا أن أمره بالعدل ليس من أمر الناس بالبر ونسيان نفسه بل هو مستقيم في أحواله وأعماله يأتي بالعدل كما يأمر به.
وثانيا: أن أمره بالعدل ليس ببدع منه من غير أصل فيه يبتني عليه بل هو في نفسه على مستقيم الصراط ولازمه أن يحب لغيره ذلك فيأمرهم أن يلتزموا وسط الطريق ويجتنبوا حاشيتي الإفراط والتفريط.
وأما السؤال أعني ما في قوله:"هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل"إلخ ، فهو سؤال لا جواب له إلا النفي لا شك فيه وبه يثبت أن ما يعبدونه من دون الله من الأصنام والأوثان وهو مسلوب القدرة لا يستطيع أن يهتدي من نفسه ولا أن يهدي غيره لا يساوي الله تعالى وهو على صراط مستقيم في نفسه هاد لغيره بإرسال الرسل وتشريع الشرائع.