و منه يظهر أن هذا المثل المضروب في الآية في معنى قوله تعالى:"أ فمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون": يونس: 35 فالله سبحانه على صراط مستقيم في صفاته وأفعاله ، ومن استقامة صراطه أن يجعل لما خلقه من الأشياء غايات تتوجه إليها فلا يكون الخلق باطلا ، كما قال:"و ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا"وأن يهدي كلا إلى غايته التي تخصه كما خلقها وجعل لها غاية كما قال:"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50 فيهدي الإنسان إلى سبيل قاصد كما قال:"و على الله قصد السبيل": النحل: 9 ، وقال"إنا هديناه السبيل": الدهر: 3.
وهذا أصل الحجة على النبوة والتشريع ، وقد مر تمامه في أبحاث النبوة في الجزء الثاني وفي قصص نوح في الجزء العاشر من الكتاب.
فقد تحصل أن الغرض من المثل المضروب في الآية إقامة حجة على التوحيد مع إشارة إلى النبوة والتشريع.
وقيل: إنه مثل مضروب فيمن يؤمل منه الخير ومن لا يؤمل منه ، وأصل الخير كله من الله تعالى فكيف يستوي بينه وبين شيء سواه في العبادة؟.
وفيه أن المورد أخص من ذلك فهو مثل مضروب فيمن هو على خير في نفسه وهو يأمر بالعدل وهو شأنه تعالى دون غيره على أنهم لا يساوون بينه وبين غيره في العبادة بل يتركونه ويعبدون غيره.
وقيل: إنه مثل مضروب في المؤمن والكافر فالأبكم هو الكافر ، والذي يأمر بالعدل هو المؤمن ، وفيه أن صحة انطباق الآية على المؤمن والكافر بل على كل من يأمر بالعدل ومن يسكت عنه وجريها فيهما أمر ، ومدلولها من جهة وقوعها في سياق تعداد النعم والاحتجاج على التوحيد وما يلحق به من الأصول أمر آخر ، والذي تفيده بالنظر إلى هذه الجهة أن مورد المثل هو الله سبحانه وما يعبدون من دونه لا غير.
قوله تعالى:"و لله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير"الغيب يقابل الشهادة في إطلاقات القرآن الكريم وقد تكرر فيه:"عالم الغيب والشهادة"وقد تقدم مرارا أنهما أمران إضافيان فالأمر الواحد غيب وغائب بالنسبة إلى شيء وشهادة ومشهود بالنسبة إلى آخر.
وإذ كان من الأشياء ما هو ذو وجوه يظهر ببعض منها لغيره ويخفى ببعض أعني أنه متضمن غيبا وشهادة كانت إضافة الغيب والشهادة إلى الشيء تارة بمعنى اللام فيكون مثلا غيب السماوات والأرض ما هو غائب عنهما خارج من حدودهما ، ويلحق بهذا الباب الإضافة لنوع من الاختصاص ، كما في قوله:"فلا يظهر على غيبه أحدا": الجن: 26.
وتارة بمعنى"من"أو ما يقرب منه فيكون المراد بغيب السماوات والأرض الغيب الذي يشتملان عليه نوعا من الاشتمال قبال ما يشتملان عليه من الشهادة وبعبارة أخرى ما يغيب عن الأفهام من أمرهما قبال ما يظهر منهما.
والساعة هي من غيب السماوات والأرض بهذا المعنى الثاني: أما أولا: فلأنه سبحانه يعدها في كلامه من الغيب ، وليست بخارج من أمر السماوات والأرض فهو من الغيب بهذا المعنى.
وأما ثانيا: فلأن ما يصفها به من الأوصاف إنما يلائم هذا المعنى الثاني ككونها يوما ينبئهم الله بما كانوا فيه يختلفون ويوم تبلى السرائر ويوما يخاطب فيه الإنسان بمثل قوله:"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد"، ويوما يخاطبون ربهم بقولهم:"ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا"وبالجملة هي يوم يظهر فيه ما استتر من الحقائق في هذه النشأة ظهور عيان ، ومن المعلوم أن هذه الحقائق غير خارجة من السماوات والأرض بل هي معهما ثابتة.
كيف؟ وهو تعالى يقول:"و لله غيب السماوات والأرض"فيثبته ملكا لنفسه وليس ملكه من الملك الاعتباري يتعلق بكل أمر موهوم أو جزافي بل ملك حقيقي يتعلق بأمر ثابت فلها نوع من الثبوت وإن فرض جهلنا بحقيقة ثبوتها.
والشواهد القرآنية على هذا الذي ذكرناه كثيرة.
وقد عد سبحانه حياة هذه النشأة متاع الغرور ولعبا ولهوا ، وكرر أن أكثر الناس لا يعلمون ما هو يوم القيامة ، وذكر أن الدار الآخرة هي الحيوان ، وأنهم سيعلمون أن الله هو الحق المبين وسيبدو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ، إلى غير ذلك مما يشتمل عليه الآيات على اختلاف ألسنتها.