و بالجملة الساعة من غيب السماوات والأرض ، والآية أعني قوله:"و لله غيب السماوات والأرض"تقرر ملكه تعالى لنفس هذا الغيب لا لعلمه فلم يقل: ولله علم غيب السماوات والأرض ، وسياق الآية يعطي أن الجملة أعني قوله:"و لله غيب"إلخ ، توطئة وتمهيد لقوله:"ما أمر الساعة إلا كلمح البصر"إلخ ، فالجملة مسوقة للاحتجاج.
وعلى هذا يعود معنى الآية إلى أن الله سبحانه يملك غيب السماوات والأرض ملكا له أن يتصرف فيه كيف يشاء كما يملك شهادتهما وكيف لا؟ وغيب الشيء لا يفارق شهادته وهو موجود ثابت معه وله الخلق والأمر ، والساعة الموعودة ليست بأمر محال حتى لا يتعلق بها قدرة بل هي من غيب السماوات والأرض وحقيقتها المستورة عن الأفهام اليوم فهي مما استقر عليه ملكه تعالى ، وله أن يتصرف فيه بالإخفاء يوما وبالإظهار آخر.
وليست بصعبة عليه تعالى فإنما أمرها كلمح البصر أو أقرب من ذلك لأن الله على كل شيء قدير.
ومن هنا يظهر أن قوله:"و ما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير"مسوق لا لإثبات أصل الساعة أو إمكانها بل لنفي صعوبتها والمشقة في إقامتها وهوان أمرها عنده سبحانه.
فقوله:"و ما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب"أي بالنسبة إليه وإلا فقد استعظم سبحانه أمرها بما يهون عنده كل أمر خطير ووصفها بأوصاف لا يعادلها فيها غيرها ، قال تعالى:"ثقلت في السماوات والأرض": الأعراف: 187.
وتشبيه أمرها بلمح البصر إنما هو من جهة أن اللمحة وهي مد البصر وإرساله للرؤية أخف الأعمال عند الإنسان وأقصرها زمانا فهو تشبيه بحسب فهم السامع ولذلك عقبه بقوله:"أو هو أقرب"فإن مثل هذا السياق يفهم منه الإضراب فكأنه تعالى يقول:"إن أمرها في خفة المؤنة والهوان والسهولة بالنسبة إلينا يشبه لمح أحدكم ببصره ، وإنما أشبهه به رعاية لحالكم وتقريبا إلى فهمكم وإلا فالأمر أقرب من ذلك ، كما قال فيها:"و يقول كن فيكون": الأنعام: 73 ، فأمر الساعة بالنسبة إلى قدرته ومشيته تعالى كأمر أيسر الخلق وأهونه."
وعلل تعالى ذلك بقوله:"إن الله على كل شيء قدير"فقدرته على كل شيء توجب أن تكون الأشياء بالنسبة إليه سواء.
وإياك أن تتوهم أن عموم القدرة لا يستوجب ارتفاع الاختلاف من بين الأشياء من حيث النسبة ، فقلة الأسباب المتوسطة بين الفاعل وفعله والشرائط والموانع وكثرتها لهما تأثير في ذلك لا محالة ، فالإنسان مثلا قادر على التنفس وحمل ما يطيقه من الأثقال وليسا سواء بالنسبة إليه وعلى هذا القياس.
فإن في ذلك غفلة عن معنى عموم القدرة ، وتوضيحه أن القدرة التي فينا قدرة مقيدة ، فإن قدرة الإنسان مثلا على أكل الغذاء وهي أن له نسبة الفاعلية إليه وهي في تأثيرها مشروطة بتحقق غذاء في الخارج وكونه بين يديه وممكن التناول وعدم ما يمنع من ذلك من إنسان أو غيره ، وكون أدوات الفعل كاليد والفم وغيرهما غير مصابة بآفة إلى غير ذلك ، والذي يملكه الإنسان هو الإرادة والزائد على ذلك وسائط وشرائط وموانع خارجة عن قدرته بالحقيقة وقيد يقيدها ، وإذا أراد الإنسان أن يعمل قدرته فيأكل كان عليه أن يهيىء تلك الأمور التي تتقيد بها قدرته في التأثير كتحصيل الغذاء ووضعه قريبا منه ورفع الموانع وإعمال الأدوات البدنية مثلا.
ومن المعلوم أن قلة هذه الأمور وكثرتها وقربها وبعدها وما أشبه ذلك من صفاتها توجب اختلاف الفعل في السهولة وعدمها وضعف القدرة وقوتها فتقيد القدرة هو الموجب للاختلاف.
وأما قدرته تعالى فإنها عين ذاته التي يجب وجودها ويمتنع عدمها ، وإذا كان كذلك فلو تقيدت بقيد من وجود سبب أو شرط أو عدم مانع لانعدمت بانعدام قيدها وهو محال فقدرته تعالى مطلقة غير محدودة بحد ولا مقيدة بقيد ، عامة تتعلق بكل شيء على حد سواء من غير أن يكون شيء بالنسبة إليه أصعب من شيء أو أسهل ، وأقرب إليه من شيء أو أبعد ، وإنما الاختلاف بين الأشياء أنفسها بقياس بعضها إلى بعض.