و إثبات الإمساك لله سبحانه ونفيه عن غيره مع وجود أسباب طبيعية هناك مؤثرة في ذلك وكلامه تعالى يصدق ناموس العلية والمعلولية إنما هو من جهة أن توقف الطير في الجو من دون أن تسقط كيفما كان وإلى أي سبب استند هو وسببه والرابطة التي بينهما جميعا مستندة إلى صنعه تعالى فهو الذي يفيض الوجود عليه وعلى سببه وعلى الرابطة التي بينهما فهو السبب المفيض لوجوده حقيقة وإن كان سببه الطبيعي القريب معه يتوقف هو عليه.
ومعنى توقفه في وجوده على سببه ليس أن سببه يفيد وجوده بعد ما استفاد وجود نفسه منه تعالى بل أن هذا المسبب يتوقف في أخذه الوجود منه تعالى إلى أخذ سببه الوجود منه تعالى قبل ذلك ، وقد تقدم بعض الكلام في توضيح ذلك من قريب.
وهذا معنى توحيد القرآن ، والدليل عليه من جهة لفظه أمثال قوله:"ألا له الخلق والأمر": الأعراف: 54 ، وقوله:"أن القوة لله جميعا": البقرة: 165 ، وقوله:"الله خالق كل شيء": الزمر: 62 ، وقوله:"إن الله على كل شيء قدير": النحل: 77. والدليل على ما قدمناه في معنى النفي والإثبات في الآية قوله تعالى:"مسخرات"فإن التسخير إنما يتحقق بقهر أحد السببين الآخر في فعله على ما يريده السبب القاهر ففي لفظه دلالة على أن للمقهور نوعا من السببية.
وليس طيران الطائر في جو السماء بالحقيقة بأعجب من سكون الإنسان في الأرض فالجميع ينتهي إلى صنعه تعالى على حد سواء لكن ألفة الإنسان لبعض الأمور وكثرة عهده به توجب خمود قريحة البحث عنه فإذا صادف ما يخالف ما ألفه وكثر عهده به كالمستثنى من الكلية انتبه لذلك وانتزعت القريحة للبحث عنه والإنسان يرى الأجسام الأرضية الثقيلة معتمدة على الأرض مجذوبة إليها فإذا وجد الطير مثلا تنقض كلية هذا الحكم بطيرانها تعجب منه وانبسط للبحث عنه والحصول على علته ، وللحق نصيب من هذا البحث وهذا هو أحد الأسباب في أخذ هذا النوع من الأمور في القرآن مواد للاحتجاج.
وقوله:"إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون"أي في كونها مسخرات في جو السماء فإن للطير وهو في الجو دفيفا وصفيفا وبسطا لأجنحتها وقبضا وسكونا وانتقالا وصعودا ونزولا وهي جميعا آيات لقوم يؤمنون كما ذكره الله.
قوله تعالى:"و الله جعل لكم من بيوتكم سكنا"إلى آخر الآية ، في المفردات: البيت مأوى الإنسان بالليل لأنه يقال: بات أقام بالليل كما يقال: ظل بالنهار.
ثم قد يقال: للمسكن بيت من غير اعتبار الليل فيه ، وجمعه أبيات وبيوت لكن البيوت بالمسكن أخص والأبيات بالشعر ، قال: ويقع ذلك على المتخذ من حجر ومدر وصوف ووبر.
انتهى موضع الحاجة.
والسكن ما يسكن إليه ، والظعن الارتحال وهو خلاف الإقامة ، والصوف للضأن والوبر للإبل كالشعر للإنسان ويسمى ما للمعز شعرا كالإنسان ، والأثاث متاع البيت الكثير ولا يقال للواحد منه أثاث ، قال في المجمع: ولا واحد للأثاث كما أنه لا واحد للمتاع.
انتهى.
والمتاع أعم من الأثاث فإنه مطلق ما يتمتع به ولا يختص بما في البيت.
وقوله:"و الله جعل لكم من بيوتكم سكنا"أي جعل لكم بعض بيوتكم سكنا تسكنون إليه ، ومن البيوت ما لا يسكن إليه كالمتخذ لادخار الأموال واختزان الأمتعة وغير ذلك وقوله:"و جعل لكم من جلود الأنعام بيوتا"إلخ ، أي من جلودها بعد الدبغ وهي الأنطاع والأدم"بيوتا"وهي القباب والخيام"تستخفونها"أي تعدونها خفيفة من جهة الحمل"يوم ظعنكم"وارتحالكم"و يوم إقامتكم"من غير سفر وظعن.
وقوله:"و من أصوافها وأوبارها وأشعارها"إلخ ، معطوف على موضع"من جلود"أي وجعل لكم"من أصوافها"وهي للضأن و"أوبارها"وهي للإبل"و أشعارها"وهي للمعز"أثاثا"تستعملونه في بيوتكم"و متاعا"تتمتعون به"إلى حين"محدود ، قيل: وفيه إشارة إلى أنها فانية داثرة فلا ينبغي للعاقل أن يختارها على نعيم الآخرة.