قوله:"تعالى والله جعل لكم مما خلق ظلالا"إلى آخر الآية ، الظرفان أعني قوله:"لكم"و"مما خلق"متعلقان بجعل وتعليق الظلال بما خلق لكونها أمرا عدميا محققا بتبع غيره وهي مع ذلك من النعم العظيمة التي أنعم الله بها على الإنسان وسائر الحيوان والنبات فما الانتفاع بالظل للإنسان وغيره بأقل من الانتفاع بالنور ولو لا الظل وهو ظل الليل وظل الأبنية والأشجار والكهوف وغيرها لما عاش على وجه الأرض عائش.
وقوله:"و جعل لكم من الجبال أكنانا"الكن ما يستتر به الشيء حتى أن القميص كن للابسه ، وأكنان الجبال هي الكهوف والثقب الموجودة فيها.
وقوله:"و جعل لكم سرابيل تقيكم الحر"أي قميصا يحفظكم من الحر ، قال في المجمع: ، ولم يقل: وتقيكم البرد لأن ما وقى الحر وقى البرد ، وإنما خص الحر بذلك مع أن وقايتها للبرد أكثر لأن الذين خوطبوا بذلك أهل حر في بلادهم فحاجتهم إلى ما يقي الحر أكثر ، عن عطاء.
قال: على أن العرب يكتفي بذكر أحد الشيئين عن الآخر للعلم به قال الشاعر: وما أدري إذا يممت أرضا.
أريد الخير أيهما يليني.
فكنى عن الشر ولم يذكره لأنه مدلول عليه ، ذكره الفراء انتهى.
ولعل بعض الوجه في ذكره الحر والاكتفاء به أن البشر الأولى كانوا يسكنون المناطق الحارة من الأرض فكان شدة الحر أمس بهم من شدة البرد وتنبههم لاتخاذ السراويل إنما هو للاتقاء مما كان الابتلاء به أقرب إليهم وهو الحر والله أعلم.
وقوله:"و سرابيل تقيكم بأسكم"الظاهر أن المراد به درع الحديد ونحوه.
وقوله:"كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون"امتنان عليهم بإتمام النعم التي ذكرها ، وكانت الغاية المرجوة من ذلك إسلامهم لله عن معرفتها فإن المترقب المتوقع ممن يعرف النعم وإتمامها عليه أن يسلم لإرادة منعمه ولا يقابله بالاستكبار لأن منعما هذا شأنه لا يريد به سوء.
قوله تعالى:"فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين"قال في المجمع: ، البلاغ الاسم والتبليغ المصدر مثل الكلام والتكليم ، انتهى.
لما فرغ عن ذكر ما أريد ذكره من النعم والاحتجاج بها ختمها بما مدلولها العتاب واللوم والوعيد على الكفر ويتضمن ذكر وحدانيته تعالى في الربوبية والمعاد والنبوة وبدأ ذلك ببيان وظيفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في رسالته وهو البلاغ فقال:"فإن تولوا"أي يتفرع على هذا البيان الذي ليس فيه إلا دعوتهم إلى ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم من غير أن يتبعه إجبار أو إكراه أنهم إن تولوا وأعرضوا عن الإصغاء إليه والاهتداء به"فإنما عليك البلاغ المبين"والتبليغ الواضح الذي لا إبهام فيه ولا ستر عليه لأنك رسول وما على الرسول إلا ذلك.
وفي الآية تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبيان وظيفة له.
قوله تعالى:"يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون"المعرفة والإنكار متقابلان كالعلم والجهل وهذا هو الدليل على أن المراد بالإنكار وهو عدم المعرفة لازم معناه وهو الإنكار في مقام العمل وهو عدم الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر أو الجحود لسانا مع معرفتها قلبا ، لكن قوله:"و أكثرهم الكافرون"يخص الجحود بأكثرهم كما سيجيء فيبقى للإنكار المعنى الأول.
وقوله:"و أكثرهم الكافرون"دخول اللام على"الكافرون"يدل على الكمال أي إنهم كافرون بالنعم الإلهية أو بما تدل عليه من التوحيد وغيره جميعا لكن أكثرهم كاملون في كفرهم وذلك بالجحود عنادا والإصرار عليه والصد عن سبيل الله.
والمعنى: يعرفون نعمة الله بعنوان أنها نعمة منه ومقتضاه أن يؤمنوا به وبرسوله واليوم الآخر ويسلموا في العمل ثم إذا وردوا مورد العمل عملوا بما هو من آثار الإنكار دون المعرفة ، وأكثرهم لا يكتفون بمجرد الإنكار العملي بل يزيدون عليه بكمال الكفر والعناد مع الحق والجحود والإصرار عليه.
وفيما قدمناه كفاية لك عما أطال فيه المفسرون في معنى قوله:"و أكثرهم الكافرون"مع أنهم جميعا كافرون بإنكارهم من قول بعضهم ، إنما قال:"أكثرهم"لأن منهم من لم تقم عليه الحجة كمن لم يبلغ حد التكليف أو كان مئوفا في عقله أو لم تصل إليه الدعوة فلا يقع عليه اسم الكفر.