و فيه أن هؤلاء خارجون عن إطلاق الآية رأسا فإنها تذكر توبيخا وإيعادا أنهم ينكرون نعمة الله بعد ما عرفوها ، وهؤلاء إن كانوا ينكرونها كانوا بذلك كافرين وإن لم ينكروها لم يدخلوا في إطلاق الآية قطعا ، وكيف يصح أن يقال: إنهم لم تقم عليهم الحجة وليست الحجة إلا النعمة التي يعدها الله سبحانه وهم يعرفونها؟.
وقول بعضهم: إنما قال:"و أكثرهم الكافرون"لأنه كان يعلم أن فيهم من سيؤمن ، وفيه أنه قول لا دليل عليه.
وقول بعضهم: إن المراد بالأكثر الجميع وإنما عدل عن البعض احتقارا له أن يذكره ، ونسب إلى الحسن البصري ، وهو قول عجيب.
قيل: وفي الآية دليل على فساد قول المجبرة إنه ليس لله على الكافر نعمة وإن جميع ما فعله بهم إنما هو خذلان ونقمة لأنه سبحانه نص في هذه الآية على خلاف قولهم ، انتهى.
والحق أن للنعمة اعتبارين: أحدهما كونها نعمة أي ناعمة ملائمة لحال المنعم عليه من حيث كونه في صراط التكوين أي من حيث سعادته الجسمية ، والآخر من حيث وقوع المنعم عليه في صراط التشريع أي من حيث سعادته الروحية الإنسانية بأن تكون النعمة بحيث توجب معرفتها إيمانه بالله ورسوله واليوم الآخر واستعمالها في طريق مرضاة الله ، والمؤمن منعم بالنعمتين كلتيهما والكافر منعم في الدنيا بالطائفة الأولى محروم من الثانية ، وفي كلامه سبحانه شواهد كثيرة تشهد على ذلك.
قوله تعالى:"و يوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون"قال في المجمع: ، قال الزجاج: والعتب الموجدة يقال: عتب عليه يعتب إذا وجد عليه فإذا فاوضه ما عتب عليه قالوا: عاتبه ، وإذا رجع إلى مسرته قيل: أعتب ، والاسم العتبي وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب ، واستعتبه طلب منه أن يعتب.
انتهى.
وقوله:"و يوم نبعث من كل أمة شهيدا"يفيد السياق أن المراد بهذا اليوم يوم القيامة ، وبهؤلاء الشهداء الذين يبعث كل واحد منهم من أمة ، شهداء الأعمال الذين تحملوا حقائق أعمال أمتهم في الدنيا وهم يستشهد بهم ويشهدون عليهم يوم القيامة وقد تقدم بعض الكلام في معنى هذه الشهادة في تفسير قوله:"لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا": البقرة: 143 في الجزء الأول من الكتاب.
ولا دلالة في لفظ الآية على أن المراد بشهيد الأمة نبيها ، ولا أن المراد بالأمة أمة الرسول فمن الجائز أن يكون غير النبي من أمته كالإمام شهيدا كما يدل عليه آية البقرة السابقة وقوله تعالى:"و جيء بالنبيين والشهداء": الزمر: 69 ، وعلى هذا فالمراد بكل أمة أمة الشهيد المبعوث وأهل زمانه.
وقوله:"ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون"ذكر بعث شهداء الأمم دليل على أنهم يشهدون على أممهم بما عملوا في الدنيا ، وقرينة على أن المراد من نفي الإذن للكافرين أنهم لا يؤذن لهم في الكلام وهو الاعتذار لا محالة ونفي الإذن في الكلام إنما هو تمهيد لأداء الشهود شهادتهم كما تلوح إليه آيات أخر كقوله:"اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم": يس: 65 ، وقوله:"هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون": المرسلات: 36.
على أن سياق قوله:"ثم لا يؤذن"إلخ ، يفيد أن المراد بهذا الذي ذكر نفي ما يتقى به الشر يومئذ من الحيل وبيان أنه لا سبيل إلى تدارك ما فات منهم وإصلاح ما فسد من أعمالهم في الدنيا يومئذ وهو أحد أمرين: الاعتذار أو استئناف العمل ، أما الثاني فيتكفله قوله:"و لا هم يستعتبون"ولا يبقى للأول وهو الاعتذار بالكلام إلا قوله:"ثم لا يؤذن للذين كفروا".
ومن هنا يظهر أن قوله:"و لا هم يستعتبون"أي لا يطلب منهم أن يعتبوا الله ويرضوه بيان لعدم إمكان تدارك ما فات منهم بتجديد العمل والرجوع إلى السمع والطاعة فإن اليوم يوم جزاء لا يوم عمل ولا سبيل إلى رجوعهم القهقرى إلى الدنيا حتى يعملوا صالحا فيجزوا به.