فهرس الكتاب

الصفحة 2569 من 4314

و قد بين سبحانه ذلك في مواضع أخرى من كلامه بلسان آخر كقوله تعالى:"يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون": القلم: 43 ، وقوله:"و لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون": الم السجدة: 12. قوله تعالى:"و إذا رءا الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون"كانت الآية السابقة بالحقيقة مسوقة لبيان الفرق بين يوم الجزاء الذي هو يوم القيامة وبين سائر ظروف الجزاء في الدنيا بأن جزاء يوم القيامة لا يرتفع ولا يتغير باعتذار ولا باستعتاب ، وهذه الآية بيان فرق عذاب اليوم مع العذابات الدنيوية التي تتعلق بالظالمين في الدنيا فإنها تقبل بوجه التخفيف أو الإنظار بتأخير ما وعذاب يوم القيامة لا يقبل تخفيفا ولا إنظارا.

فقوله:"و إذا رءا الذين ظلموا العذاب"ذكر الظلم في الصلة دون الكفر ونحوه للدلالة على سبب الحكم وملاكه ، والمراد برؤية العذاب إشرافه عليهم وإشرافهم عليه بعد فصل القضاء كما يفيده السياق ، والمراد بالعذاب عذاب يوم القيامة وهو عذاب النار.

والمعنى - والله أعلم - وإذا قضي الأمر بعذابهم وأشرفوا على العذاب بمشاهدة النار فلا مخلص لهم عنه بتخفيف أو بإنظار وإمهال.

قوله تعالى:"و إذا رءا الذين أشركوا شركاءهم"إلى آخر الآية ، مضي في حديث يوم البعث ، وقوله:"و إذا رءا الذين أشركوا"وهم في عرف القرآن عبدة الأصنام والأوثان قرينة على أن المراد بقوله:"شركاءهم"الذين أشركوهم بالله زعما منهم أنهم شركاء لله وافتراء ويدل أيضا عليه ذيل الآية والآية التالية.

فتسميتهم شركاءهم وهم يسمونهم شركاء الله للدلالة بها على أن ليس لهم من الشركة إلا الشركة بجعلهم بحسب وهمهم فليس لإشراكهم شركاءهم من الحقيقة إلا أنها لا حقيقة لها.

وبذلك يظهر أن تفسير شركائهم بالأصنام أو بالمعبودات الباطلة وأنهم إنما عدوا شركائهم لأنهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم وأنعامهم ، أو الشياطين لأنهم شاركوهم في الأموال والأولاد أو شركاؤهم في الكفر وهم الذين كفروا مثل كفرهم أو شاركوهم في وبال كفرهم ، كل ذلك في غير محله ولا نطيل بالمناقشة في كل واحد منها.

وقوله:"قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك"معناه ظاهر وهو تعريف منهم إياهم لربهم ، ولا حاجة إلى البحث عن غرض المشركين في تعريفهم فإن اليوم يوم أحاط بهم الشقاء والعذاب من كل جانب ، والإنسان في مثل ذلك يلوي إلى كل ما يخطر بباله من طرق السعي في خلاص نفسه وتنفيس كربه.

وقوله:"فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون"قال في المجمع: ، تقول: ألقيت الشيء إذا طرحته ، واللقى الشيء الملقى ، وألقيت إليه مقالة إذا قلتها له ، وتلقاها إذا قبلها ، انتهى.

والمعنى: أن شركائهم ردوا إليهم وكذبوهم ، وقد عبر سبحانه في موضع آخر عن هذا التكذيب بالكفر كقوله:"و يوم القيامة يكفرون بشرككم": فاطر: 14 وقوله حكاية عن مخاطبة الشيطان لهم يوم القيامة"إني كفرت بما أشركتمون من قبل": إبراهيم: 22.

قوله تعالى:"و ألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون"السلم الإسلام والاستسلام ، وكان في التعبير بإلقاء السلم إشارة إلى انضمام شيء من الخضوع والمقهورية بالقهر الإلهي إلى سلمهم.

وضمير"ألقوا"عائد إلى الذين أشركوا بقرينة قوله بعد"و ضل عنهم ما كانوا يفترون"فالمراد أن المشركين يسلمون يوم القيامة لله وقد كانوا يدعون إلى الإسلام في الدنيا وهم يستكبرون.

وليس المراد بإلقاء السلم هذا يوم القيامة هو انكشاف الحقيقة وظهور الوحدانية وهو مدلول قوله في صفة يوم القيامة:"و يعلمون أن الله هو الحق المبين": النور: 25 ، لأن العلم بثبوت شيء أمر ، والتسليم والإيمان بثبوته أمر آخر كما يظهر من قوله تعالى:"و جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم": النمل: 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت