فهرس الكتاب

الصفحة 2570 من 4314

و مجرد العلم بأن الله هو الحق لا يكفي في سعادة الإنسان بل تحتاج في تمامها إلى تسليمه والإيمان به بترتيب آثاره عليه ثم من التسليم والإيمان ما كان عن طوع واختيار ومنه ما كان عن كره واضطرار ، والذي ينفع في السعادة هو التسليم والإيمان عن اختيار وموطن الاختيار الدنيا التي هي دار العمل دون الآخرة التي هي دار الجزاء.

وهم لم يسلموا للحق ما داموا في الدنيا وإن أيقنوا به حتى إذا وردوا الدار الآخرة وأوقفوا موقف الحساب عاينوا أن الله هو الحق المبين ، وأن عذاب الشقاء أحاط بهم من كل جانب أسلموا للحق وهم مضطرون وليس ينفعهم ، وإلى هذا العلم والتسليم الاضطراري يشير قوله تعالى:"يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين": النور: 25 ، فصدر الآية يخبر عن إسلامهم لأنه الدين الحق ، قال تعالى:"إن الدين عند الله الإسلام": آل عمران: 19 ، وذيل الآية عن انكشاف الحق لهم وظهور الحقيقة عليهم.

والآية المبحوث عنها أعني قوله:"و ألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون"صدرها يشير إلى إسلامهم وذيلها إلى كون ذاك الإسلام اضطراريا لا ينفعهم لأنهم كانوا يرون لله ألوهية ولشركائهم ألوهية فاختاروا تسليم شركائهم وعبادتهم على التسليم لله ثم لما ظهر لهم الحق يوم القيامة وكذبهم شركائهم بطل ما زعموه وضل عنهم ما افتروه فلم يبق للتسليم إلا الله سبحانه فسلموا له مضطرين وانقادوا له كارهين.

قوله تعالى:"الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون"استئناف متعرض لحال أئمة الكفر بالخصوص بعد ما أشار إلى حال عامة الظالمين والمشركين في الآيات السابقة.

والسامع إذا سمع ما شرحه الله من حالهم يوم القيامة في هذه الآيات وأنهم معذبون جميعا من غير أن يخفف عنهم أو ينظروا فيه ، وقد سمع منه أن منهم طائفة هم أشد كفرا وأشقى من غيرهم إذ يقول:"و أكثرهم الكافرون"خطر بباله طبعا أنهم هل يساوون غيرهم في العذاب الموعود وهم يزيدون عليهم في السبب وهو الكفر.

فاستؤنف الكلام جوابا عن ذلك فقيل:"الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله"بالعناد واللجاج فاكتملوا في الكفر واقتدى بهم غيرهم"زدناهم عذابا"وهو الذي للصد وهم يختصون به"فوق العذاب"وهو الذي بإزاء مطلق الظلم والكفر ويشاركون فيه عامة إخوانهم ، وكان اللام في العذاب للعهد الذكري يشار بها إلى ما ذكر في قوله:"و إذا رءا الذين ظلموا العذاب"إلخ ،"بما كانوا يفسدون"تعليل لزيادة العذاب.

ومن هنا يظهر أن المراد بالإفساد الواقع في التعليل هو الصد لأنه الوصف الذي يزيدون به على غيرهم وهو إفساد الغير بصرفه عن سبيل الله ، وبتقرير آخر: إفساد في الأرض بالمنع عن انعقاد مجتمع صالح كان من المترقب حصوله بإقبال أولئك المصروفين على دين الله وسلوك سبيله.

قوله تعالى:"و يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء"إلخ ، صدر الآية تكرار ما تقدم قبل بضع آيات من قوله:"و يوم نبعث من كل أمة شهيدا"غير أنه كان هناك توطئة وتمهيدا لحديث عدم الإذن لهم في الكلام يومئذ ، وهو هاهنا توطئة وتمهيد لذكر شهادته (صلى الله عليه وآله وسلم) لهؤلاء يومئذ وهو في الموضعين مقصود لغيره لا لنفسه.

وكيف كان فقوله:"و يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم"يدل على بعث واحد في كل أمة للشهادة على أعمال غيره وهو غير البعث بمعنى الإحياء للحساب بل بعث بعد البعث ، وإنما جعل من أنفسهم ليكون أتم للحجة وأقطع للمعذرة كما يفيده السياق وذكره المفسرون حتى أنهم ذكروا شهادة لوط على قومه ولم يكن منهم نسبا ووجهوه بأنه كان تأهل فيهم وسكن معهم فهو معدود منهم.

وقوله:"و جئنا بك شهيدا على هؤلاء"يفيد أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) شهيد على هؤلاء ، واستظهروا أن المراد بهؤلاء هم أمته ، وأيضا أنهم قاطبة من بعث إليه من لدن عصره إلى يوم القيامة ممن حضره ومن غاب ومن عاصره ومن جاء بعده من الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت