فهرس الكتاب

الصفحة 2571 من 4314

و آيات الشهادة من معضلات آيات القيامة على ما في جميع آيات القيامة من الإعضال وصعوبة المنال ، وقد تقدم في ذيل قوله:"لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا": البقرة: 143 في الجزء الأول من الكتاب نبذة من الكلام في معنى هذه الشهادة.

ومن الواجب قبل الورود في بحث الشهادة وسائر الأمور التي تصفها الآيات ليوم القيامة كالجمع والوقوف والسؤال والميزان والحساب أن يعلم أنه تعالى يعد في كلامه هذه الأمور في عداد الحجج التي تقام يوم القيامة على الإنسان لتثبيت ما عمله من خير أو شر والقضاء عليه بما ثبت بالحجة القاطعة للعذر والمنيرة للحق ثم المجازاة بما يستوجبه القضاء من سعادة أو شقاء وجنة أو نار ، وهذا من أوضح ما يستفاد من آيات القيامة الشارحة لشئون هذا اليوم وما يواجه الناس منها.

وهذا أصل مقتضاه أن يكون بين هذه الحجج وأجزائها ونتائجها روابط حقيقية بينة يضطر العقل إلى الإذعان بها ، ولا يسع للإنسان بما عنده من الشعور الفطري ردها ولا الشك والارتياب فيها.

وعلى هذا فمن الواجب أن تكون الشهادة القائمة هناك بإقامة منه تعالى مشتملة من الحقيقة على ما لا سبيل للمناقشة فيها ، والله سبحانه لو أمر أشقى الناس على أن يشهد على الأولين والآخرين بما عملوه باختيار من الشاهد أو يخلق الشهادة في لسانه بلا إرادة منه ، أو أن يشهد بما عملوه من غير أن يكون قد تحملها في الدنيا وشهدها شهود عيان بل معتمدا على إعلام من الله أو ملائكته أو على حجة ثم أمضى تعالى ذلك وأنفذه وجازى به محتجا في جميع ذلك بشهادته ثانيا عليها لم يكن ذلك مما لا تطيقه سعة قدرته ولا يسعه نفوذ إرادته ولا استطاع أحد أن ينازعه في ملكه أو يعقب حكمه أو يغلبه على أمره.

لكنها حجة تحكمية غير تامة لا تقطع بالحقيقة عذرا ولا تدفع ريبا نظير التحكمات التي نجدها من جبابرة الإنسان والطواغيت العابثين بالحق والحقيقة وكيف يتصور لمثل هذه الحجج المختلقة عين أو أثر يوم لا عين فيه إلا للحق ولا أثر فيه إلا للحقيقة؟.

وعلى هذا فمن الواجب أن يكون هذا الشهيد ذا عصمة إلهية يمتنع عليه الكذب والجزاف ، وأن يكون عالما بحقائق الأعمال التي يشهد عليها لا بظاهر صورها وهيئاتها المحسوسة بل بحقيقة ما انعقدت عليه في القلوب ، وأن يستوي عنده الحاضر والغائب من الناس كما تقدمت الإشارة إليه في تفسير آية سورة البقرة.

ومن الواجب أن تكون شهادته شهادة عن معاينة كما هو ظاهر لفظ الشهيد وظاهر تقييده بقوله:"من أنفسهم"في قوله:"شهيدا عليهم من أنفسهم"غير مستندة إلى حجة عقلية أو دليل سمعي.

ويشهد به قوله تعالى حكاية عن المسيح (عليه السلام) : وكنت شهيدا عليهم ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد": المائدة: 117."

وبهذا تتلاءم الآيتان مضمونا أعني قوله:"و يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء"وقوله.

وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا": البقرة: 143."

فإن ظاهر آية البقرة أن بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين الناس الذين هم عامة من بعث إليهم من زمانه إلى يوم القيامة شهداء يشهدون على أعمالهم ، وأن الرسول إنما هو شهيد على هؤلاء الشهداء دون سائر الناس إلا بواسطتهم ، ولا ينبغي أن يتوهم أن الأمة هم المؤمنون وغيرهم الناس وهم خارجون من الأمة فإن ظاهر الآية السابقة في السورة:"و يوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا"الآية أن الكفار من الأمة المشهود عليهم.

ولازم ذلك أن يكون المراد بالأمة في الآية المبحوث عنها:"و يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم"جماعة الناس من أهل عصر واحد يشهد أعمالهم شهيد واحد ، ويكون حينئذ الأمة التي بعث إليها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منقسمة إلى أمم كثيرة.

ويكون المراد بالشهيد الإنسان المبعوث بالعصمة والمشاهدة كما تقدم ويؤيده قوله:"من أنفسهم"إذ لو لا المشاهدة لم يكن لكونه من أنفسهم وقع ، ولا لتعدد الشهداء بتعدد الأمم وجه فلكل قوم شهيد من أنفسهم سواء كان نبيا لهم أو غير نبيهم فلا ملازمة كما يؤيده قوله:"و جيء بالنبيين والشهداء": الزمر: 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت