فهرس الكتاب

الصفحة 2572 من 4314

و يكون المراد بهؤلاء في قوله:"و جئنا بك شهيدا على هؤلاء"الشهداء دون عامة الناس فالشهداء شهداء على الناس والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شهيد على الشهداء وظاهر الشهادة على الشاهد تعديله دون الشهادة على عمله فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) شهيد على مقامهم لا على أعمالهم ولذلك لم يكن من الواجب أن يعاصرهم ويتحد بهم زمانا فافهم ذلك.

والإنصاف أنه لو لا هذا التقريب لم يرتفع ما يتراءى ما في آيات الشهادة من الاختلاف كدلالة آية البقرة ، وقوله:"ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس": الحج: 78 ، على كون الأمة هم المؤمنين ، ودلالة غيرهما على الأعم ، ودلالتهما على أن النبي إنما هو شهيد على الشهداء ، وأن بينه وبين الناس شهداء ودلالة غيرهما على خلافه وأن على الناس شهيدا واحدا هو نبيهم لأن المفروض حينئذ أن شهيد كل أمة هو نبيهم ، وكون أخذ الشهيد من أنفسهم لغوا لا أثر له مع عدم لزوم الحضور والمعاصرة وأن الشهادة إنما تكون من حي كما في الكلام المحكي عن المسيح (عليه السلام) وإشكالات أخرى تتوجه على نجاح الحجة ومضيها ، تقدمت الإشارة إليها والله الهادي.

وقوله:"و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين"ذكروا أنه استئناف يصف القرآن بكرائم صفاته فصفته العامة أنه تبيان لكل شيء والتبيان والبيان واحد - كما قيل - وإذ كان كتاب هداية لعامة الناس وذلك شأنه كان الظاهر أن المراد بكل شيء كل ما يرجع إلى أمر الهداية مما يحتاج إليه الناس في اهتدائهم من المعارف الحقيقية المتعلقة بالمبدإ والمعاد والأخلاق الفاضلة والشرائع الإلهية والقصص والمواعظ فهو تبيان لذلك كله.

ومن صفته الخاصة أي المتعلقة بالمسلمين الذين يسلمون للحق أنه هدى يهتدون به إلى مستقيم الصراط ورحمة لهم من الله سبحانه يحوزون بالعمل بما فيه خير الدنيا والآخرة وينالون به ثواب الله ورضوانه ، وبشرى لهم يبشرهم بمغفرة من الله ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم.

هذا ما ذكروه وهو مبني على ما هو ظاهر التبيان من البيان المعهود من الكلام وهو إظهار المقاصد من طريق الدلالة اللفظية فإنا لا نهتدي من دلالة لفظ القرآن الكريم إلا على كليات ما تقدم ، لكن في الروايات ما يدل على أن القرآن فيه علم ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة ، ولو صحت الروايات لكان من اللازم أن يكون المراد بالتبيان الأعم مما يكون من طريق الدلالة اللفظية فلعل هناك إشارات من غير طريق الدلالة اللفظية تكشف عن أسرار وخبايا لا سبيل للفهم المتعارف إليها.

والظاهر على ما يستفاد من سياق هذه الآيات المسوقة للاحتجاج على الأصول الثلاثة: التوحيد والنبوة والمعاد ، والكلام فيها ينعطف مرة بعد أخرى عليها أن قوله:"و نزلنا عليك الكتاب"إلخ ، ليس باستئناف بل حال عن ضمير الخطاب في"جئنا بك"بتقدير"قد"أو بدون تقديرها - على الخلاف بين النحاة في الجملة الحالية المصدرة بالفعل الماضي.

والمعنى: وجئنا بك شهيدا على هؤلاء والحال أنا نزلنا عليك من قبل في الدنيا الكتاب وهو بيان لكل شيء من أمر الهداية يعلم به الحق من الباطل فيتحمل شهادة أعمالهم فيشهد يوم القيامة على الظالمين بما ظلموا وعلى المسلمين بما أسلموا لأن الكتاب كان هدى ورحمة وبشرى لهم وكنت أنت بذلك هاديا ورحمة ومبشرا لهم.

وعلى هذا فصدر الآية كالتوطئة لذيلها كأنه قيل: سيبعث شهداء يشهدون على الناس بأعمالهم وأنت منهم ولذلك نزلنا عليك كتابا يبين الحق والباطل ويميز بينهما حتى تشهد به يوم القيامة على الظالمين بظلمهم وقد تبين الكتاب وعلى المسلمين بإسلامهم وقد كان الكتاب هدى ورحمة وبشرى لهم وكنت هاديا ورحمة ومبشرا به.

ومن لطيف ما يؤيد هذا المعنى مقارنة الكتاب بالشهادة في بعض آيات الشهادة كقوله:"و أشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء:"الزمر: 69 ، وسيجيء إن شاء الله أن المراد به اللوح المحفوظ ، وقد تكرر في كلامه تعالى أن القرآن من اللوح المحفوظ كقوله:"إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون": الواقعة: 78 ، وقوله:"بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ": البروج: 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت