فهرس الكتاب

الصفحة 2575 من 4314

فقوله:"إن الله يأمر بالعدل"أمر بالعدل ويقابله الظلم قال في المفردات ، العدالة والمعادلة لفظ يقتضي معنى المساواة ، ويستعمل باعتبار المضايفة ، والعدل - بفتح - العين والعدل - بكسرها يتقاربان لكن العدل - بفتح العين - يستعمل فيما يدرك بالبصيرة كالأحكام ، وعلى ذلك قوله تعالى:"أو عدل ذلك صياما"والعدل - بكسر العين - والعديل فيما يدرك بالحاسة كالموزونات والمعدودات والمكيلات ، فالعدل هو التقسيط على سواء.

قال: والعدل ضربان: مطلق يقتضي العقل حسنه ، ولا يكون في شيء من الأزمنة منسوخا ولا يوصف بالاعتداء بوجه نحو الإحسان إلى من أحسن إليك وكف الأذى عمن كف أذاه عنك ، وعدل يعرف كونه عدلا بالشرع ويمكن أن يكون منسوخا في بعض الأزمنة كالقصاص وأروش الجنايات وأصل مال المرتد ، ولذلك قال:"فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه"، وقال:"و جزاء سيئة سيئة مثلها"فسمي اعتداء وسيئة.

وهذا النحو هو المعني بقوله:"إن الله يأمر بالعدل والإحسان"فإن العدل هو المساواة في المكافاة إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، والإحسان أن يقابل الخير بأكثر منه والشر بأقل منه ، انتهى موضع الحاجة.

وما ذكره على ما فيه من التفصيل يرجع إلى قولهم إن العدل هو لزوم الوسط والاجتناب عن جانبي الإفراط والتفريط في الأمور وهو من قبيل التفسير بلازم المعنى فإن حقيقة العدل هي إقامة المساواة والموازنة بين الأمور بأن يعطى كل من السهم ما ينبغي أن يعطاه فيتساوى في أن كلا منها واقع موضعه الذي يستحقه ، فالعدل في الاعتقاد أن يؤمن بما هو الحق ، والعدل في فعل الإنسان في نفسه أن يفعل ما فيه سعادته ويتحرز مما فيه شقاؤه باتباع هوى النفس ، والعدل في الناس وبينهم أن يوضع كل موضعه الذي يستحقه في العقل أو في الشرع أو في العرف فيثاب المحسن بإحسانه ، ويعاقب المسيء على إساءته ، وينتصف للمظلوم من الظالم ولا يبعض في إقامة القانون ولا يستثنى.

ومن هنا يظهر أن العدل يساوق الحسن ويلازمه إذ لا نعني بالحسن إلا ما من طبعه أن تميل إليه النفس وتنجذب نحوه وإقرار الشيء في موضعه الذي ينبغي أن يقر عليه من حيث هو كذلك مما يميل إليه الإنسان ويعترف بحسنه ويقدم العذر لو خالفه إلى من يقرعه باللوم لا يختلف في ذلك اثنان ، وإن اختلف الناس في مصاديقه كثيرا باختلاف مسالكهم في الحياة.

ويظهر أيضا أن ما عد الراغب في كلامه من الاعتداء والسيئة عدلا لا يخلو عن مسامحة ، فإن الاعتداء والسيئة الذين يجازى بهما المعتدي والمسيء إنما هما اعتداء وسيئة بالنسبة إليهما وأما بالنسبة إلى من يجازيهما بهما فهما من لزوم وسط الاعتدال وخصلة الحسن لكونهما من وضع الشيء موضعه الذي ينبغي أن يوضع فيه.

وكيف كان فالعدل وإن كان منقسما إلى عدل الإنسان في نفسه وإلى عدله بالنسبة إلى غيره ، وهما العدل الفردي والعدل الاجتماعي ، واللفظ مطلق لكن ظاهر السياق أن المراد به في الآية العدل الاجتماعي وهو أن يعامل كل من أفراد المجتمع بما يستحقه ويوضع في موضعه الذي ينبغي أن يوضع فيه ، وهذا أمر بخصلة اجتماعية متوجه إلى أفراد المكلفين بمعنى أن الله سبحانه يأمر كل واحد من أفراد المجتمع أن يأتي بالعدل ، ولازمه أن يتعلق الأمر بالمجموع أيضا فيكلف المجتمع إقامة هذا الحكم وتتقلده الحكومة بما أنها تتولى أمر المجتمع وتدبره.

وقوله:"و الإحسان"الكلام فيه من حيث اقتضاء السياق كسابقه فالمراد به الإحسان إلى الغير دون الإحسان بمعنى إتيان الفعل حسنا ، وهو إيصال خير أو نفع إلى غير لا على سبيل المجازاة والمقابلة كأن يقابل الخير بأكثر منه ويقابل الشر بأقل منه - كما تقدم - ويوصل الخير إلى غير متبرعا به ابتداء.

والإحسان على ما فيه من إصلاح حال من أذلته المسكنة والفاقة أو اضطرته النوازل ، وما فيه من نشر الرحمة وإيجاد المحبة يعود محمود أثره إلى نفس المحسن بدوران الثروة في المجتمع وجلب الأمن والسلامة بالتحبيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت