و قوله:"و إيتاء ذي القربى"أي إعطاء المال لذوي القرابة وهو من أفراد الإحسان خص بالذكر ليدل على مزيد العناية بإصلاح هذا المجتمع الصغير الذي هو السبب بالحقيقة لانعقاد المجتمع المدني الكبير كما أن مجتمع الازدواج الذي هو أصغر بالنسبة إلى مجتمع القرابة سبب مقدم مكون له فالمجتمعات المدنية العظيمة إنما ابتدأت من مجتمع بيتي عقده الازدواج ثم بسطه التوالد والتناسل ووسعه حتى صار قبيلة وعشيرة ولم يزل يتزايد ويتكاثر حتى عادت أمة عظيمة فالمراد بذي القربى الجنس دون الفرد وهو عام لكل قرابة كما ذكروه.
وفي التفسير المأثور عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن المراد بذي القربى الإمام من قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والمراد بالإيتاء إعطاء الخمس الذي فرضه الله سبحانه في قوله:"و اعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين"الآية ،: الأنفال: 41 وقد تقدم تفسيرها.
ولعل التعبير بالإفراد حيث قيل:"ذي القربى"ولم يقل: ذوي القربى أو أولي القربى كما في قوله:"و إذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين": النساء: 8 ، وقوله:"و آتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين": البقرة: 177 يؤيد ذلك.
واحتمال إرادة الجنس من ذي القربى يبعده ما وقع في سياق آية الخمس من ذكر اليتامى والمساكين معه بصيغة الجمع مع عدم ظهور نكتة يختص بها ذوي القربى أو اليتامى والمساكين تقضي بالفرق.
على أن الآية لا قرينة واضحة فيها على كون المراد بالإيتاء هو الإحسان ثم بالإحسان مطلق الإحسان.
والله أعلم.
قوله تعالى:"و ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون"قال في المفردات: الفحش والفحشاء والفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال.
انتهى ولعل الأصل في معناه الخروج عن الحد فيما لا ينبغي يقال: غبن فاحش أي خارج عن حد التحمل والصبر والسكوت.
والمنكر ما لا يعرفه الناس في مجتمعهم من الأعمال التي تكون متروكة عندهم لقبحها أو إثمها كالمواقعة أو كشف العورة في مشهد من الناس في المجتمعات الإسلامية.
والبغي الأصل في معناه الطلب وكثر استعماله في طلب حق الغير بالتعدي عليه فيفيد معنى الاستعلاء والاستكبار على الغير ظلما وعتوا ، وربما كان بمعنى الزنا والمراد به في الآية هو التعدي على الغير ظلما.
وهذه الثلاثة أعني الفحشاء والمنكر والبغي وإن كانت متحدة المصاديق غالبا فكل فحشاء منكر ، وغالب البغي فحشاء ومنكر لكن النهي إنما تعلق بها بما لها من العناوين لما أن وقوع الأعمال بهذه العناوين في مجتمع من المجتمعات يوجب ظهور الفصل الفاحش بين الأعمال المجتمعة فيه الصادرة من أهله فينقطع بعضها من بعض ويبطل الالتيام بينها ويفسد بذلك النظم وينحل المجتمع في الحقيقة وإن كان على ساقه صورة وفي ذلك هلاك سعادة الأفراد.
فالنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي أمر بحسب المعنى باتحاد مجتمع تتعارف أجزاؤه وتتلاءم أعماله لا يستعلي بعضهم على بعض بغيا ، ولا يشاهد بعضهم من بعض إلا الجميل الذي يعرفونه لا فحشاء ولا منكرا وعند ذلك تستقر عليهم الرحمة والمحبة والألفة وترتكز فيهم القوة والشدة ، وتهجرهم السخطة والعداوة والنفرة وكل خصلة سيئة تؤدي إلى التفرق والتهلكة.
ثم ختم سبحانه الآية بقوله:"يعظكم لعلكم تذكرون"أي تتذكرون فتعلمون أن الذي يدعوكم إليه فيه حياتكم وسعادتكم.
قوله تعالى:"و أوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها"إلخ ، قال في المفردات: العهد حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال ، وسمي الموثق الذي يلزم مراعاته عهدا.
قال: وعهد فلان إلى فلان يعهد أي ألقى إليه العهد وأوصاه بحفظه ، انتهى.
وظاهر إضافة العهد إلى الله تعالى في قوله:"و أوفوا بعهد الله"أن المراد به هو العهد الذي يعاهد فيه الله على كذا دون مطلق العهد ويأتي نظير الكلام في نقض اليمين.
وقوله:"و لا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها"نقض اليمين نكثه ومخالفة مقتضاه والمراد باليمين هو اليمين بالحلف بالله سبحانه كأن ما عدا ذلك ليس بيمين والدليل عليه قوله بعد:"و قد جعلتم الله عليكم كفيلا".