فهرس الكتاب

الصفحة 2577 من 4314

و المراد بتوكيدها إحكامها بالقصد والعزم وكونها لأمر راجح بخلاف قولهم: لا والله وبلى والله وغيره من لغو الأيمان ، فالتوكيد في هذه الآية يفيد ما يفيده التعقيد في قوله تعالى:"لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان"المائدة: 89.

ونقض اليمين بحسب الاعتبار أشنع من نقض العهد وإن كان منهيا عنهما جميعا ، على أن العناية بالحلف في الشرع الإسلامي أكثر كما في باب القضاء.

وتوضيح شناعة نقضه: أن حقيقة معنى اليمين إيجاد ربط خاص بين النسبة الكلامية من خبر أو إنشاء وبين أمر ذي بال شريف بحيث يستوجب بطلان النسبة من جهة ظهور كذبه إن كان خبرا ومخالفة مقتضاه إن كان عزما أو أمرا أو نهيا كقولنا: والله لأفعلن كذا وبالله عليك افعل أو لا تفعل كذا أن يذهب بذلك ما يعتقده المقسم من الكرامة والعزة للمقسم به فيئول الأمر إلى أن المقسم به بما له من الكرامة والعزة هو المسئول عن صحة النسبة الكلامية والمقسم هو المسئول عند المقسم به بما علق صحة النسبة على كرامته وعزته كمن يعقد عقدا أو يتعهد عملا ثم يعطي لمن عاقده أو تعهد له موثقا يثق به من مال أو ولد أو غير ذلك أو يضمن له ذلك شريف بشرافته.

وبهذا يظهر معنى قوله تعالى:"و قد جعلتم الله عليكم كفيلا"فإن الحالف إذا قال: والله لأفعلن كذا أو لأتركن كذا فقد علق ما حلف عليه نوعا من التعليق على الله سبحانه وجعله كفيلا عنه في الوفاء بما عقد عليه اليمين فإن نكث ولم يف كان لكفيله أن يؤديه إلى الجزاء والعقوبة ، ففي نكث اليمين إهانة وإرزاء بساحة العزة والكرامة مضافا إلى ما في نقض اليمين والعهد معا من الانقطاع والانفصال عنه سبحانه بعد توكيد الاتصال.

فقوله:"و قد جعلتم الله"إلخ ، حال من ضمير الجمع في قوله:"و لا تنقضوا"وقوله:"إن الله يعلم ما تفعلون"في معنى تأكيد النهي بأن العمل مبغوض وهو به عليم.

قوله تعالى:"و لا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا"إلى آخر الآية ، النقض ويقابله الإبرام إفساد ما أحكم من حبل أو غزل بالفتل فنقض الشيء المبرم كحل الشيء المعقود ، والنكث النقض ، قال في المجمع ،: وكل شيء نقض بعد الفتل فهو أنكاث حبلا كان أو غزلا ، والدخل بفتحتين في الأصل كل ما دخل الشيء وليس منه ، ويكنى به عن الدغل والخدعة والخيانة ، كما قيل: وأربى أفعل من الربا وهو الزيادة.

وقوله:"و لا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا"في معنى التفسير لقوله في الآية السابقة:"و لا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها"وهو تمثيل بمرأة تغزل الغزل بقوة ثم تعود فتنقض ما أتعبت نفسها فيه وغزلته من بعد قوة وتجعله أنكاثا لا فتل فيه ولا إبرام.

ونقل عن الكلبي أنها امرأة حمقاء من قريش كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن ولا يزال ذلك دأبها واسمها ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة ، وكانت تسمى خرقاء مكة.

وقوله:"تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة"أي تتخذون أيمانكم وسيلة للغدر والخدعة والخيانة تطيبون بها نفوس الناس ثم تخونون وتخدعونهم بنقضها ، وإنما يفعلون ذلك لتكون أمة - وهم الحالفون - أربى وأزيد سهما من زخارف الدنيا من أمة - وهم المحلوف لهم -.

فالمراد بالدخل وسيلته من تسمية السبب باسم المسبب و"أن تكون أمة"مفعول له بتقدير اللام ، والكلام نوع بيان لنقض اليمين أو لكونهم كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ومحصل المعنى أنكم كمثلها إذ تتخذون أيمانكم دخلا بينكم فتؤكدونها وتعقدونها ثم تخونون وتخدعون بنقضها ونكثها والله ينهاكم عنه.

وذكر بعضهم أن قوله:"تتخذون أيمانكم"إلخ ، جملة استفهامية محذوفة الأداة والاستفهام للإنكار.

وقوله:"إنما يبلوكم الله به"إلخ ، أي إن ذلك امتحان إلهي يمتحنكم به وأقسم ليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون فتعلمون عند ذلك ما حقيقة ما أنتم عليه اليوم من التكالب على الدنيا وسلوك سبيل الباطل لإماطة الحق ودحضه ويتبين لكم يومئذ من هو الضال ومن هو المهتدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت