فهرس الكتاب

الصفحة 2578 من 4314

قوله تعالى:"و لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء"إلخ ، لما انجر الكلام إلى ذكر اختلافهم عقب ذلك ببيان أن اختلافهم ليس بناقض للغرض الإلهي في خلقهم ولا أنهم معجزون له سبحانه ولو شاء لجعلهم أمة واحدة لا اختلاف بينهم ولكن الله سبحانه جعلهم مختلفين بالهداية والإضلال فهدى قوما وأضل آخرين.

وذلك أنه تعالى وضع سعادة الإنسان وشقاءه على أساس الاختيار وعرفهم الطاعة المفضية إلى غاية السعادة والمعصية المؤدية إلى غاية الشقاء فمن سلك مسلك المعصية واجتاز للضلال جازاه الله ذلك ، ومن ركب سبيل الطاعة واختار الهدى جازاه الله ذلك وسيسألهم جميعا عما عملوا واختاروا.

وبما تقدم يظهر أن المراد بجعلهم أمة واحدة رفع الاختلاف من بينهم وحملهم على الهدى والسعادة ، وبالإضلال والهداية ما هو على سبيل المجازاة لا الضلال والهدى الابتدائيان فإن الجميع على هدى فطري فالذي يشاء الله ضلاله فيضله هو من اختار المعصية على الطاعة من غير رجوع ولا ندم ، والذي شاء الله هداه فهداه هو من بقي على هداه الفطري وجرى على الطاعة أو تاب ورجع عن المعصية صراطا مستقيما وسنة إلهية ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا.

وأن قوله:"و لتسألن عما كنتم تعملون"لدفع ما يسبق إلى الوهم أن استناد الضلال والهدى إليه سبحانه يبطل تأثير اختيارهم في ذلك وتبطل بذلك الرسالة وتلغو الدعوة فأجيب بأن السؤال باق على حاله لما أن اختياركم لا يبطل بذلك بل الله سبحانه يمد لكم من الضلال والهدى ما أنتم تختارونه بالركون إلى معصيته أو بالإقبال إلى طاعته.

قوله تعالى:"و لا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها"إلى آخر الآية ، قال في المفردات: الصدود والصد قد يكون انصرافا عن الشيء وامتناعا نحو"يصدون عنك صدودا"وقد يكون صرفا ومنعا نحو"و زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل". انتهى.

والآية نهي عن اتخاذ الأيمان دخلا بعد النهي عن أصل نقض الأيمان لأن لخصوص اتخاذها دخلا مفسدة مستقلة هي ملاك النهي غير المفسدة التي لأصل نقض الأيمان وقد أشار إلى مفسدة أصل النقض بقوله:"و قد جعلتم الله عليكم كفيلا"إلخ ، ويشير في هذه الآية إلى مفسدة اتخاذها دخلا بقوله:"فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم".

والملاكان - كما هو ظاهر - متغايران نعم أحدهما كالمقدمة للآخر كما أن نقض الأيمان كالمقدمة لاتخاذها دخلا فإن الإنسان إذا نقض اليمين لسبب من الأسباب لأول مرة هان عليه أمر النقض ومهد ذلك السبيل إلى النقض ثانيا وثالثا وجعل الحلف ثم النقض وسيلة خدعة وخيانة فلا يلبث دون أن تكون حليف دغل وخدعة وخيانة وغرور ومكر وكيد وكذب وزور لا يبالي ما قال وما فعل ويعود جرثومة فساد يفسد المجتمع الإنساني أينما توجه ، ويقع في سبيل غير سبيل الله الذي خطته الفطرة السليمة.

وكيف كان فظاهر قوله:"و لا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم"نهي استقلالي عن الخدعة باليمين بعد النهي الضمني عنه في الآية السابقة ، وقوله:"فتزل قدم بعد ثبوتها"تفريع على المنهي عنه دون النهي أي يتفرع على اتخاذها دخلا أن تزل قدم بعد ثبوتها إلخ ، وزلة القدم بعد ثبوتها مثل لنقض اليمين بعد العقد والتوكيد والزوال عن الموقف الذي ارتكز فيه فإن ثبات الإنسان واستقامته على ما عزم عليه واهتم به من كرائم الإنسانية وأصول فضائلها وعليه بناء الدين الإلهي ، وحفظ اليمين على توكيده قدم من الأقدام التي يتم بها هذا الأصل الوسيع ، وكأنه لذلك جيء بالقدم نكرة في قوله:"فتزل قدم"إلخ.

وقوله:"و تذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم"معطوف على قوله:"تزل قدم"إلخ ، وبيان نتيجته كما أنه بيان نتيجة وعاقبة لقوله:"لا تتخذوا أيمانكم دخلا"وبذلك يظهر أن قوله:"بما صددتم عن سبيل الله"بمنزلة التفسير لقوله:"فتزل قدم بعد ثبوتها".

والمراد بالصدود عن سبيل الله الإعراض والامتناع عن السنة الفطرية التي فطر الله الناس عليها ودعت الدعوة النبوية إليها من التزام الصدق والاستقامة ورعاية العهود والمواثيق والأيمان والتجنب عن الدغل والخدعة والخيانة والكذب والزور والغرور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت