و على هذا فوصف هذه الملة في قوله:"للتي هي أقوم"بأنها أقوم إن كان بقياسها إلى سائر الملل إنما هو من جهة أن كلا من تلك الملل سنة حيوية اتخذها ناس لينتفعوا بها في شيء من أمور حياتهم لكنها إن كان تنفعهم في بعضها فهي تضرهم في بعض آخر وإن كانت تحرز لهم شطرا مما فيه هواهم فهي تفوت عليهم شطرا عظيما مما فيه خيرهم ، وإنما ذلك الإسلام يقوم على حياتهم وبجميع ما يهمهم في الدنيا والآخرة من غير أن يفوته فائت فالملة الحنيفية أقوم من غيرها على حياة الإنسان.
وإن كان بالقياس إلى سائر الشرائع الإلهية السابقة كشريعة نوح وموسى وعيسى (عليهما السلام) كما هو ظاهر جعلها مما يهدي إليها القرآن قبال ما تقدم من ذكر التوراة وجعلها هدى لبني إسرائيل فإنما هو من جهة أن هذه الملة الحنيفية أكمل من الملل السابقة التي تتضمنها كتب الأنبياء السابقين فهي تشتمل من المعارف الإلهية على آخر ما تتحمله البنية الإنسانية ومن الشرائع على ما لا يشذ منه شاذ من أعمال الإنسان الفردية والاجتماعية ، وقد قال تعالى:"و أنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه": المائدة - 48 فما يهدي إليه القرآن أقوم مما يهدي إليه غيره من الكتب.
قوله تعالى:"و يبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا"الصالحات صفة محذوف موصوفها اختصارا والتقدير وعملوا الأعمال الصالحات.
وفي الآية جعل حق للمؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات على الله سبحانه كما يؤيده تسمية ذلك أجرا ، ويؤيده أيضا قوله في موضع آخر:"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون": حم السجدة: 8 ولا محذور في أن يكون لهم على الله حق إذا كان الله سبحانه هو الجاعل له ، ونظيره قوله:"ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين": يونس: 103.
والعناية في الآية ببيان الوعد المنجز كما أن الآية التالية تعني ببيان الوعيد المنجز وهو العذاب لمن يكفر بالآخرة ، وأما من آمن ولم يعمل الصالحات فليس ممن له على الله أجر منجز وحق ثابت بل أمره مراعى بتوبة أو شفاعة حتى يلحق بذلك على معشر الصالحين من المؤمنين قال تعالى:"و آخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم": التوبة - 102 وقال:"و آخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم": التوبة: 106.
نعم لهم ثبات على الحق بإيمانهم كما قال تعالى:"و بشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم": يونس: 2 وقال:"يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة": إبراهيم - 27.
قوله تعالى:"و أن الذين لا يؤمنون بالآخرة اعتدنا لهم عذابا أليما"الإعتاد الإعداد والتهيئة من العتاد بالفتح وهو على ما ذكره الراغب ادخار الشيء قبل الحاجة إليه كالإعداد.
وظاهر السياق أنه عطف على قوله في الآية السابقة:"أن لهم"إلخ فيكون التقدير ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن الذين لا يؤمنون"إلخ"وكون ذلك بشارة للمؤمنين من حيث إنه انتقام إلهي من أعدائهم في الدين.
وإنما خص بالذكر من أوصاف هؤلاء عدم إيمانهم بالآخرة مع جواز أن يكفروا بغيرها كالتوحيد والنبوة لأن الكلام مسوق لبيان الأثر الذي يعقبه الدين القيم ، ولا موقع للدين ولا فائدة له مع إنكار المعاد وإن اعترف بوحدانية الرب تعالى وغيرها من المعارف ، ولذلك عد سبحانه نسيان يوم الحساب أصلا لكل ضلال في قوله:"إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب": ص - 26.
قوله تعالى:"و يدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا"المراد بالدعاء على ما يستفاد من السياق مطلق الطلب سواء كان بلفظ الدعاء كقوله: اللهم ارزقني مالا وولدا وغير ذلك أو من غير دعاء لفظي بل بطلب وسعي فإن ذلك كله دعاء وسؤال من الله سواء اعتقد به الإنسان وتنبه له أم لا إذ لا معطي ولا مانع في الحقيقة إلا الله سبحانه ، قال تعالى:"يسأله من في السماوات والأرض": الرحمن: 29 وقال:"و آتاكم من كل ما سألتموه": إبراهيم: 34 فالدعاء مطلق الطلب والباء في قوله:"بالشر"و"بالخير"للصلة والمراد أن الإنسان يدعو الشر ويسأله دعاء كدعائه الخير وسؤاله وطلبه.