و على هذا فالمراد بكون الإنسان عجولا أنه لا يأخذ بالأناة إذا أراد شيئا حتى يتروى ويتفكر في جهات صلاحه وفساده حتى يتبين له وجه الخير فيما يريده من الأمر فيطلبه ويسعى إليه بل يستعجل في طلبه بمجرد ما ذكره وتعلق به هواه فربما كان شرا فتضرر به وربما كان خيرا فانتفع به.
والآية وما يتلوها من الآيات في سياق التوبيخ واللوم متفرعة على ما تقدم من حديث المن الإلهي بالهداية إلى التي هي أقوم كأنه قيل: إنا أنزلنا كتابا يهدي إلى ملة هي أقوم تسوق الآخذين بها إلى السعادة والجنة وتؤديهم إلى أجر كبير ، وترشدهم إلى الخير كله لكن جنس الإنسان عجول لا يفرق لعجلته بين الخير والشر بل يطلب كل ما لاح له ويسأل كل ما بدا له فتعلق به هواه من غير تمييز بين الخير والشر والحق والباطل فيرد الشر كما يرد الخير ويهجم على الباطل كما يهجم على الحق.
وليس ينبغي له أن يستعجل ويطلب كل ما يهواه ويشتهيه ولا يحق له أن يرتكب كل ما له استطاعة ارتكابه ويقترف كل ما أقدره الله عليه ومكنه منه مستندا إلى أنه من التيسير الإلهي ولو شاء لمنعه فهذان الليل والنهار وآيتان إلهيتان وليستا على نمط واحد بل آية الليل ممحوة تسكن فيها الحركات وتهدأ فيها العيون ، وآية النهار مبصرة تنتبه فيها القوى ويبتغي فيها الناس من فضل ربهم ويعلمون بها عدد السنين والحساب.
كذلك أعمال الشر والخير جميعا كائنة في الوجود بإذن الله مقدورة للإنسان بإقداره سبحانه لكن ذلك لا يكون دليلا على جواز ارتكاب الإنسان الشر والخير جميعا وأن يستعجل فيطلب كل ما بدا له فيرد الشر كما يرد الخير ويقترف المعصية كما يقترف الطاعة بل يجب عليه أن يأخذ عمل الشر ممحوا فلا يقترفه وعمل الخير مبصرا فيأتي به ويبتغي بذلك فضل ربه من سعادة الآخرة والرزق الكريم فإن عمل الإنسان هو طائره الذي يدله على سعادته وشقائه ، وهو لازم له غير مفارقة فما عمله من خير أو شر فهو لا يفارقه إلى غيره ولا يستدل به سواه.
هذا ما يعطيه السياق من معنى الآية ويتبين به: أولا: أن الآية وما يتلوها من الآيات مسوقة لغرض التوبيخ واللوم ، وهو وجه اتصالها وما بعدها بما تقدمها من قوله:"إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم"الآية كما أشرنا إليه آنفا فهو سبحانه يلوم الإنسان أنه لما به من قريحة الاستعجال لا يقدر نعمة الهداية الإلهية حق قدرها ولا يفرق بين الملة التي هي أقوم وبين غيرها فيدعو بالشر دعاءه بالخير ويقصد الشقاء كما يقصد السعادة.
وثانيا: أن المراد بالإنسان هو الجنس دون أفراد معينة منه كالكفار والمشركين كما قيل ، وبالدعاء مطلق الطلب لا الدعاء المصطلح كما قيل ، وبالخير والشر ما فيه سعادة حياته أو شقاؤه بحسب الحقيقة دون مطلق ما يضر وينفع كدعاء الإنسان على من رضي عنه بالنجاح والفلاح وعلى من غضب عليه بالخيبة والخسران وغير ذلك.
وبالعجلة حب الإنسان أن يسرع ما يهواه إلى التحقق دون اللج والتمادي على طلب العذاب والمكروه.
وللمفسرين اختلاف عجيب في مفردات الآية ، وكلمات مضطربة في بيان وجه اتصال الآية وكذا الآيات التالية بما قبلها تركنا إيرادها والغور فيها لعدم جدوى في التعرض لها من أرادها فليراجع كتبهم.
قوله تعالى:"و جعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة"إلى آخر الآية ، قال في المجمع ، مبصرة أي مضيئة منيرة نيرة قال أبو عمرو: أراد يبصر بها كما يقال: ليل نائم وسر كاتم ، وقال الكسائي: العرب تقول: أبصر النهار إذا أضاء.
انتهى موضع الحاجة.
الليل والنهار هما النور والظلمة المتعاقبان على الأرض من جهة مواجهة الشمس بالطلوع وزوالها بالغروب وهما كسائر ما في الكون من أعيان الأشياء وأحوالها آيتان لله سبحانه تدلان بذاتهما على توحده بالربوبية.
ومن هنا يظهر أن المراد بجعلهما آيتين هو خلقهما كذلك لا خلقهما وليستا آيتين ثم جعلهما آيتين وإلباسهما لباس الدلالة فالأشياء كلها آيات له تعالى من جهة أصل وجودها وكينونتها الدالة على مكونها لا لوصف طار يطرء عليها.