و لعظم أمر هذا الحكم قدمه على سائر ما عد من الأحكام الخطيرة شأنا كعقوق الوالدين ومنع الحقوق المالية والتبذير وقتل الأولاد والزنا وقتل النفس المحترمة وأكل مال اليتيم ونقض العهد والتطفيف في الوزن واتباع غير العلم والكبير ثم ختمها بالنهي ثانيا عن الشرك.
قوله تعالى:"و بالوالدين إحسانا"عطف على سابقه أي وقضى ربك بأن تحسنوا بالوالدين إحسانا أو أن أحسنوا بالوالدين إحسانا والإحسان في الفعل يقابل الإساءة.
وهذا بعد التوحيد لله من أوجب الواجبات كما أن عقوقهما أكبر الكبائر بعد الشرك بالله ، ولذلك ذكره بعد حكم التوحيد وقدمه على سائر الأحكام المذكورة المعدودة وكذلك فعل في عدة مواضع من كلامه.
وقد تقدم في نظير الآية من سورة الأنعام - الآية 151 من السورة - أن الرابطة العاطفية المتوسطة بين الأب والأم من جانب والولد من جانب آخر من أعظم ما يقوم به المجتمع الإنساني على ساقه ، وهي الوسيلة الطبيعية التي تمسك الزوجين على حال الاجتماع فمن الواجب بالنظر إلى السنة الاجتماعية الفطرية أن يحترم الإنسان والديه بإكرامهما والإحسان إليهما ، ولو لم يجر هذا الحكم وهجر المجتمع الإنساني بطلت العاطفة والرابطة للأولاد بالأبوين وانحل به عقد الاجتماع.
قوله تعالى:"إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما""إما"مركب من"إن"الشرطية و"ما"الزائدة وهي المصححة لدخول نون التأكيد على فعل الشرط ، والكبر هو الكبر في السن وأف كلمة تفيد الضجر والانزجار ، والنهر هو الزجر بالصياح ورفع الصوت والإغلاظ في القول.
وتخصيص حالة الكبر بالذكر لكونها أشق الحالات التي تمر على الوالدين فيحسان فيها الحاجة إلى إعانة الأولاد لهما وقيامهم بواجبات حياتيهما التي يعجزان عن القيام بها ، وذلك من آمال الوالدين التي يأملانها من الأولاد حين يقومان بحضانتهم وتربيتهم في حال الصغر وفي وقت لا قدرة لهم على شيء من لوازم الحياة وواجباتها.
فالآية تدل على وجوب إكرامهما ورعاية الأدب التام في معاشرتهما ومحاورتهما في جميع الأوقات وخاصة في وقت يشتد حاجتهما إلى ذلك وهو وقت بلوغ الكبر من أحدهما أو كليهما عند الولد ومعنى الآية ظاهر.
قوله تعالى:"و اخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا"خفض الجناح كناية عن المبالغة في التواضع والخضوع قولا وفعلا مأخوذ من خفض فرخ الطائر جناحه ليستعطف أمه لتغذيته ، ولذا قيده بالذل فهو دأب أفراخ الطيور إذا أرادت الغذاء من أمهاتها ، فالمعنى واجههما في معاشرتك ومحاورتك مواجهة يلوج منها تواضعك وخضوعك لهما وتذللك قبالهما رحمة بهما.
هذا إن كان الذل بمعنى المسكنة وإن كان بمعنى المطاوعة فهو مأخوذ من خفض الطائر جناحه ليجمع تحته أفراخه رحمة بها وحفظا لها.
وقوله:"و قل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا"أي اذكر تربيتهما لك صغيرا فادع الله سبحانه أن يرحمهما كما رحماك وربياك صغيرا.
قال في المجمع ،: وفي هذا دلالة على أن دعاء الولد لوالده الميت مسموع وإلا لم يكن للأمر به معنى.
انتهى.
والذي يدل عليه كون هذا الدعاء في مظنة الإجابة وهو أدب ديني ينتفع به الولد وإن فرض عدم انتفاع والديه به على أن وجه تخصيص استجابة الدعاء بالوالد الميت غير ظاهر والآية مطلقة.
قوله تعالى:"ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا"السياق يعطي أن تكون الآية متعلقة بما تقدمها من إيجاب إحسان الوالدين وتحريم عقوقهما ، وعلى هذا فهي متعرضة لما إذا بدرت من الولد بادرة في حق الوالدين من قول أو فعل يتأذيان به ، وإنما لم يصرح به للإشارة إلى أن ذلك مما لا ينبغي أن يذكر كما لا ينبغي أن يقع.
فقوله:"ربكم أعلم بما في نفوسكم"أي أعلم منكم به ، وهو تمهيد لما يتلوه من قوله:"إن تكونوا صالحين"فيفيد تحقيق معنى الصلاح أي إن تكونوا صالحين وعلم الله من نفوسكم ذلك فإنه كان إلخ ، وقوله:"فإنه كان للأوابين غفورا"أي للراجعين إليه عند كل معصية وهو من وضع البيان العام موضع الخاص.
والمعنى: إن تكونوا صالحين وعلم الله من نفوسكم ورجعتم وتبتم إليه في بادرة ظهرت منكم على والديكم غفر الله لكم ذلك إنه كان للأوابين غفورا.