قوله تعالى:"و آت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل"تقدم الكلام فيه في نظائره ، وبالآية يظهر أن إيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل مما شرع قبل الهجرة لأنها آية مكية من سورة مكية.
قوله تعالى:"و لا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا"قال في المجمع ،: التبذير التفريق بالإسراف ، وأصله أن يفرق كما يفرق البذر إلا أنه يختص بما يكون على سبيل الإفساد ، وما كان على وجه الإصلاح لا يسمى تبذيرا وإن كثر.
انتهى.
وقوله:"إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين"تعليل للنهي عن التبذير ، والمعنى لا تبذر إنك إن تبذر كنت من المبذرين والمبذرون إخوان الشياطين ، وكأن وجه المواخاة بينهم أن الواحد منهم يصير ملازما لشيطانه وبالعكس كالأخوين الذين هما شقيقان متلازمان في أصلهما الواحد كما يشير إليه قوله تعالى:"و قيضنا لهم قرناء": حم السجدة: 25 ، وقوله:"احشروا الذين ظلموا وأزواجهم": الصافات: 22 أي قرناءهم: وقوله:"و إخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون": الأعراف: 202.
ومن هنا يظهر أن تفسير من فسر الآية بأنهم قرناء الشياطين أحسن من قول من قال: المعنى أنهم اتباع الشياطين سالكون سبيلهم.
وأما قوله:"و كان الشيطان لربه كفورا"فالمراد بالشيطان فيه هو إبليس الذي هو أبو الشياطين وهم ذريته وقبيله واللام حينئذ للعهد الذهني ويمكن أن يكون اللام للجنس والمراد به جنس الشيطان وعلى أي حال كونه كفورا لربه من جهة كفرانه بنعم الله حيث إنه يصرف ما آتاه من قوة وقدرة واستطاعة في سبيل إغواء الناس وحملهم على المعصية ودعوتهم إلى الخطيئة وكفران النعمة.
وقد ظهرت مما تقدم النكتة في جمع الشيطان أولا وإفراده ثانيا فإن الاعتبار أولا بأن كل مبذر أخو شيطانه الخاص فالجميع إخوان للشياطين والاعتبار ثانيا بإبليس الذي هو أبو الشياطين أو بجنس الشيطان.
قوله تعالى:"و إما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا"أصله إن تعرض عنهم و"ما"زائدة للتأكيد والنون للتأكيد.
والسياق يشهد بأن الكلام في إنفاق الأموال فالمراد بقوله:"و إما تعرضن عنهم"الإعراض عمن سأله شيئا من المال ينفقه له ويسد به خلته وليس المراد به كل إعراض كيف اتفق بل الإعراض عند ما ليس عنده شيء من المال يبذله له وليس بآيس من وجدانه بدليل قوله:"ابتغاء رحمة من ربك ترجوها"أي كنت تعرض عنهم لا لكونك مليئا بالمال شحيحا به ، ولا لأنك فاقد له آيس من حصوله بل لأنك فاقد له مبتغ وطالب لرحمة من ربك ترجوها يعني الرزق.
وقوله:"فقل لهم قولا ميسورا"أي سهلا لينا أي لا تغلظ في القول ولا تجف في الرد كما قال تعالى:"و أما السائل فلا تنهر": الضحى: 10 بل رده بقول سهل لين.
قال في الكشاف ،: وقوله:"ابتغاء رحمة من ربك"إما أن يتعلق بجواب الشرط مقدما عليه أي فقل لهم قولا سهلا لينا وعدهم وعدا جميلا رحمة لهم وتطييبا لقلوبهم ابتغاء رحمة من ربك أي ابتغ رحمة الله التي ترجوها برحمتك عليهم ، وإما أن يتعلق بالشرط أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك - فسمى الرزق رحمة - فردهم ردا جميلا فوضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له فكان الفقد سبب الابتغاء والابتغاء مسببا عنه فوضع المسبب موضع السبب.
انتهى.
قوله تعالى:"و لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا"جعل اليد مغلولة إلى العنق كناية عن الإمساك كمن لا يعطي ولا يهب شيئا لبخله وشح نفسه ، وبسط اليد كل البسط كناية عن إنفاق الإنسان كل ما في وجده بحيث لا يبقى شيئا كمن يبسط يده كل البسط بحيث لا يستقر عليها شيء ففي الكلام نهي بالغ عن التفريط والإفراط في الإنفاق.
وقوله:"فتقعد ملوما محسورا"متفرع على قوله:"و لا تبسطها"إلخ والحسر هو الانقطاع أو العرى أي ولا تبسط يدك كل البسط حتى يتعقب ذلك أن تقعد ملوما لنفسك وغيرك منقطعا عن واجبات المعاش أو عريانا لا تقدر على أن تظهر للناس وتعاشرهم وتراودهم.
وقيل: إن قوله:"فتقعد ملوما محسورا"متفرع على الجملتين لا على الجملة الأخيرة فحسب والمعنى إن أمسكت قعدت ملوما مذموما وإن أسرفت بقيت متحسرا مغموما.