و فيه أن كون قوله:"و لا تبسطها كل البسط"ظاهرا في النهي عن التبذير والإسراف غير معلوم وكذا كون إنفاق جميع المال في سبيل الله إسرافا وتبذيرا غير ظاهر وإن كان منهيا عنه بهذه الآية كيف ومن المأخوذ في مفهوم التبذير أن يكون على وجه الإفساد ، ووضع المال ولو كان كثيرا أو جميعه في سبيل الله وإنفاقه على من يستحقه ليس بإفساد له ، ولا وجه للتحسر والغم على ما لم يفسد ولا أفسد.
قوله تعالى:"إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أنه كان بعباده خبيرا بصيرا"ظاهر السياق أن الآية في مقام التعليل لما تقدم في الآية السابقة من النهي عن الإفراط والتفريط في إنفاق المال وبذله.
والمعنى: أن هذا دأب ربك وسنته الجارية يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر لمن يشاء فلا يبسطه كل البسط ولا يمسك عنه كل الإمساك رعاية لمصلحة العباد إنه كان بعباده خبيرا بصيرا وينبغي لك أن تتخلق بخلق الله وتتخذ طريق الاعتدال وتتجنب الإفراط والتفريط.
وقيل: إنها تعليل على معنى أن ربك يبسط ويقبض ، وذلك من الشئون الإلهية المختصة به تعالى ، وليس لك أن تتصف به والذي عليك أن تقتصد من غير أن تعدل عنه إلى إفراط أو تفريط ، وقيل في معنى التعليل غير ذلك ، وهي وجوه بعيدة.
قوله تعالى:"و لا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا"الإملاق الفاقة والفقر ، وقال في المفردات ،: الخطأ العدول عن الجهة وذلك أضرب: أحدها أن تريد غير ما تحسن إرادته وفعله ، وهذا هو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان يقال: خطىء يخطأ وخطأة ، قال تعالى:"إن قتلهم كان خطأ كبيرا"وقال:"و إن كنا لخاطئين"والثاني أن يريد ما يحسن فعله ولكن يقع منه خلاف ما يريد فيقال: أخطأ إخطاء فهو مخطىء وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل ، وهذا المعنى بقوله:"و من قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة"، والثالث أن يريد ما لا يحسن فعله ويتفق منه خلافه فهذا مخطىء في الإرادة مصيب في الفعل فهو مذموم بقصده غير محمود على فعله.
وجملة الأمر أن من أراد شيئا فاتفق منه غيره يقال: أخطأ ، وإن وقع منه كما أراده يقال: أصاب ، وقد يقال لمن فعل فعلا لا يحسن أو أراد إرادة لا يجمل: أنه أخطأ ، ولذا يقال: أصاب الخطأ وأخطأ الصواب وأصاب الصواب وأخطأ الخطأ وهذه اللفظة مشتركة كما ترى مترددة بين معان يجب لمن يتحرى الحقائق أن يتأملها.
انتهى بتلخيص.
وفي الآية نهي شديد عن قتل الأولاد خوفا من الفقر والحاجة وقوله"نحن نرزقهم وإياكم"تعليل للنهي وتمهيد لقوله بعده:"إن قتلهم كان خطأ كبيرا".
والمعنى ولا تقتلوا أولادكم خوفا من أن تبتلوا بالفقر والحاجة فيؤديهم ذلك إلى ذل السؤال أو ازدواج بناتكم من غير الأكفاء أو غير ذلك مما يذهب بكرامتكم فإنكم لستم ترزقونهم حتى تفقدوا الرزق عند فقركم وإعساركم بل نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا.
وقد تكرر في كلامه تعالى النهي عن قتل الأولاد خوفا من الفقر وخشية من الإملاق ، وهو مع كونه من قتل النفس المحترمة التي يبالغ كلامه تعالى في النهي عنه إنما أفرد بالذكر واختص بنهي خاص لكونه من أقبح الشقوة وأشد القسوة ، ولأنهم - كما قيل - كانوا يعيشون في أراضي يكثر فيها السنة ويسرع إليها الجدب فكانوا إذا لاحت لوائح الفاقة والإعسار بجدب وغيره بادروا إلى قتل الأولاد خوفا من ذهاب الكرامة والعزة.
وفي الكشاف ،: قتلهم أولادهم هو وأدهم بناتهم كانوا يأدونهن خشية الفاقة وهي الإملاق فنهاهم الله وضمن لهم أرزاقهم انتهى ، والظاهر خلاف ما ذكره وأن الآيات المتعرضة لوأد البنات آيات خاصة تصرح به وبحرمته كقوله تعالى:"و إذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت": التكوير: 9 ، وقوله:"و إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا فهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أ يمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون": النحل: 59.
وأما الآية التي نحن فيها وأترابها فإنها تنهى عن قتل الأولاد خشية إملاق ، ولا موجب لحمل الأولاد على البنات مع كونه أعم ، ولا حمل الهون على خوف الفقر مع كونهما متغايرين فالحق أن الآية تكشف عن سنة سيئة أخرى غير وأد البنات دفعا للهون وهي قتل الأولاد من ذكر وأنثى خوفا من الفقر والفاقة والآيات تنهى عنه.