فهرس الكتاب

الصفحة 2646 من 4314

قوله تعالى:"و لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا"نهي عن الزنا وقد بالغ في تحريمه حيث نهاهم عن أن يقربوه ، وعلله بقوله:"إنه كان فاحشة"فأفاد أن الفحش صفة لازمة له لا يفارقه ، وقوله:"و ساء سبيلا"فأفاد أنه سبيل سيء يؤدي إلى فساد المجتمع في جميع شئونه حتى ينحل عقده ويختل نظامه وفيه هلاك الإنسانية وقد بالغ سبحانه في وعيد من أتى به حيث قال في صفات المؤمنين:"و لا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا": الفرقان: 70.

"كلام في حرمة الزنا"

وهو بحث قرآني اجتماعي.

من المشهود أن في كل من الزوجين من الإنسان أعني الذكر والأنثى إذا أدرك وصحت بنيته ميلا غريزيا إلى الآخر وليس ذلك مما يختص بالإنسان بل ما نجده من عامة الحيوان أيضا على هذه الغريزة الطبيعية.

وقد جهز بحسب الأعضاء والقوى بما يدعوه إلى هذا الاقتراب والتمايل والتأمل في نوع تجهيز الصنفين لا يدع ريبا في أن هذه الشهوة الطبيعية وسيلة تكوينية إلى التوالد والتناسل الذي هو ذريعة إلى بقاء النوع ، وقد جهز بأمور أخرى متممة لهذه البغية الطبيعية كحب الولد وتجهيز الأنثى من الحيوان ذي الثدي باللبن لتغذي طفلها حتى يستطيع التقام الغذاء الخشن ومضغه وهضمه فكل ذلك تسخير إلهي يتوسل به إلى بقاء النوع.

ولذلك نرى أن الحيوان مع عدم افتقاره إلى الاجتماع والمدنية لسذاجة حياته وقلة حاجته يهتدي حينا بعد حين بحسب غريزته إلى الاجتماع الزوجي - السفاد - ثم يلتزم الزوجان أو الأنثى منهما الطفل أو الفرخ ويتكفلان أو تتكفل الأنثى تغذيته وتربيته حتى يدرك ويستقل بإدارة رحى حياته.

ولذلك أيضا لم يزل الناس منذ ضبط التاريخ سيرهم وسننهم تجري فيهم سنة الازدواج التي فيها نوع من الاختصاص والملازمة بين الرجل والمرأة لتجاب به داعية الغريزة ويتوسل به إلى إنسال الذرية ، وهو أصل طبيعي لانعقاد المجتمع الإنساني فإن من الضروري أن الشعوب المختلفة البشرية على ما لها من السعة والكثرة تنتهي إلى مجتمعات صغيرة منزلية انعقدت في سالف الدهور.

وما مر من أن في سنة الازدواج شيء من معنى الاختصاص هو المنشأ لما كان الرجال يعدون أهلهم إعراضا لأنفسهم ويرون الذب عن الأهل وصونها من تعرض غيرهم فريضة على أنفسهم كالذب عن أنفسهم أو أشد ، والغريزة الهائجة إذ ذاك هي المسماة بالغيرة وليست بالحسد والشح.

ولذلك أيضا لم يزالوا على مر القرون والأجيال يمدحون النكاح ويعدونه سنة حسنة ممدوحة ، ويستقبحون الزنا وهو المواقعة من غير علقة النكاح ويستشنعونه في الجملة ويعدونه إثما اجتماعيا وفاحشة أي فعلا شنيعا لا يجهر به وإن كان ربما وجد بين بعض الأقوام الهمجية في بعض الأحيان وعلى شرائط خاصة بين الحرائر والشبان أو بين الفتيات من الجواري على ما ذكر في تواريخ الأمم والأقوام.

وإنما استفحشوه وأنكروه لما يستتبعه من فساد الأنساب وقطع النسل وظهور الأمراض التناسلية ودعوته إلى كثير من الجنايات الاجتماعية من قتل وجرح وسرقة وخيانة وغير ذلك وذهاب العفة والحياء والغيرة والمودة والرحمة.

غير أن المدنية الغربية الحديثة لابتنائها على التمتع التام من مزايا الحياة المادية وحرية الأفراد في غير ما تعتني به القوانين المدنية سواء فيه السنن القومية والشرائع الدينية والأخلاق الإنسانية أباحته إذا وقع من غير كره كيفما كان ، وربما أضيف إلى ذلك بعض شرائط جزئية أخرى في موارد خاصة ، ولم تبال بما يستتبعه من وجوه الفساد عناية بحرية الأفراد فيما يهوونه ويرتضونه والقوانين الاجتماعية تراعي رأي الأكثرين.

فشاعت الفاحشة بين الرجال والنساء حتى عمت المحصنين والمحصنات والمحارم حتى كاد أن لا يوجد من لم يبتل به وكثر مواليدها كثرة كاد أن تثقل كفة الميزان وأخذت تضعف الأخلاق الكريمة التي كانت تتصف بها الإنسانية الطبيعية وترتضيها لنفسه بتسنين سنة الازدواج من العفة والغيرة والحياء يوما فيوما حتى صار بعض هذه الفضائل أضحوكة وسخرية ، ولو لا أن في ذكر الشنائع بعض الشناعة ثم في خلال الأبحاث القرآنية خاصة لأوردنا بعض ما نشرته المنشورات من الإحصاءات في هذا الباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت