فهرس الكتاب

الصفحة 2647 من 4314

و الشرائع السماوية على ما يذكره القرآن الكريم - وقد مرت الإشارة إلى ذلك في تفسير الآيات 151 - 153 من سورة الأنعام - تنهى عن الزنا أشد النهي وقد كان محرما في ملة اليهود ويستفاد من الأناجيل حرمته.

وقد نهي عنه في الإسلام وعد من المعاصي الكبيرة وأغلظ في التحريم في المحارم كالأم والبنت والأخت والعمة والخالة ، وفي التحريم في الزنا ، مع الإحصان وهو زنا الرجل وله زوجة والمرأة ذات البعل ، وقد أغلظ فيما شرع له من الحد وهو الجلد مائة جلدة والقتل في المرة الثالثة أو الرابعة لو أقيم الحد مرتين أو ثلاثا والرجم في الزنا مع الإحصان.

وقد أشار سبحانه إلى حكمة التحريم فيما نهى عنه بقوله:"و لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا"حيث عده أولا فاحشة ثم وصفه ثانيا بقوله:"و ساء سبيلا"والمراد - والله أعلم - سبيل البقاء كما يستفاد من قوله:"ء إنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل": العنكبوت: 29 ، أي وتتركون إتيان النساء الذي هو السبيل فتنقطع بذلك وليس إلا سبيلا للبقاء من جهة تسببه إلى تولد المواليد وبقاء النسل بذلك ، ومن جهة أن الازدواج وعقد المجتمع المنزلي هو أقوى وسيلة يضمن بقاء المجتمع المدني بعد انعقاده.

فمع انفتاح باب الزنا لا تزال الرغبات تنقطع عن النكاح والازدواج إذ لا يبقى له إلا محنة النفقة ومشقة حمل الأولاد وتربيتها ومقاساة الشدائد في حفظها والقيام بواجب حياتها والغريزة تقنع من سبيل آخر من غير كد وتعب ، وهو مشهود من حال الشبان والفتيات في هذه البلاد ، وقد قيل لبعضهم: لم لا تتزوج؟ فقال: وما أصنع بالازدواج وكل نساء البلد نسائي ، ولا يبقى حينئذ للازدواج والنكاح إلا شركة الزوجين في مساعي الحياة الجزئية غير التناسل كالشركة في تجارة أو عمل ويسرع إليهما الافتراق لأدنى عذر ، وهذا كله مشهود اليوم في المجتمعات الغربية.

ومن هنا أنهم يعدون الازدواج شركة في الحياة منعقدة بين الزوجين الرجل والمرأة وجعلوها هي الغاية المطلوبة بالذات من الازدواج دون الإنسال وتهيئة الأولاد ولا إجابة غريزة الميل الطبيعي بل عدوا ذلك من الآثار المترتبة عليه إن توافقا على ذلك وهذا انحراف عن سبيل الفطرة والتأمل في حال الحيوان على اختلاف أنواعه يهدي إلى أن الغاية المطلوبة منه عندها هو إرضاء الغريزة الهائجة وإنسال الذرية وكذا الإمعان في حال الإنسان أول ما يميل إلى ذلك يعطي أن الغاية القريبة الداعية إليه عنده هو إرضاء الغريزة ويعقبه طلب الولد.

ولو كانت الغريزة الإنسانية التي تدفعه إلى هذه السنة الطبيعية إنما تطلب الشركة في الحياة والتعاون على واجب المأكل والمشرب والملبس والمسكن وما هذا شأنه يمكن أن يتحقق بين رجلين أو بين امرأتين لظهر أثره في المجتمع البشري واستن عليه ولا أقل في بعض المجتمعات في طول تاريخ الإنسان وتزوج رجل برجل أحيانا أو امرأة بامرأة ولم تجر سنة الازدواج على وتيرة واحدة دائما ولم تقم هذه الرابطة بين طرفين أحدهما من الرجال والآخر من النساء أبدا.

ومن جهة أخرى أخذ مواليد الزنا في الإزدياد يوما فيوما يقطع منابت المودة والرحمة وتعلق قلوب الأولاد بالآباء ويستوجب ذلك انقطاع المودة والرحمة من ناحية الآباء بالنسبة إلى الأولاد وهجر المودة والرحمة بين الطبقتين الآباء والأولاد يقضي بهجر سنة الازدواج للمجتمع وفيه انقراضهم وهذا كله أيضا مما يلوح من المجتمعات الغربية.

ومن التصور الباطل أن يتصور أن البشر سيوفق يوما أن يدير رحى مجتمعه بأصول فنية وطرق علمية من غير حاجة إلى الاستعانة بالغرائز الطبيعية فيهيأ يومئذ طبقة المواليد مع الاستغناء عن غريزة حب الأولاد بوضع جوائز تسوقهم إلى التوليد والإنسال أو بغير ذلك كما هو معمول بعض الممالك اليوم فإن السنن القومية والقوانين المدنية تستمد في حياتها بما جهز به الإنسان من القوى والغرائز الطبيعية فلو بطلت أو أبطلت انفصم بذلك عقد مجتمعه ، وهيئة المجتمع قائمة بأفراده وسننه مبنية على إجابتهم لها ورضاهم بها وكيف تجري في مجتمع سنة لا ترتضيها قرائحهم ولا تستجيبها نفوسهم ثم يدوم الأمر عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت