فهرس الكتاب

الصفحة 2648 من 4314

فهجر الغرائز الطبيعية وذهول المجتمع البشري عن غاياته الأصلية يهدد الإنسانية بهلاك سيغشاها ويهتف بأن أمامهم يوما سيتسع فيه الخرق على الراقع وإن كان اليوم لا يحس به كل الإحساس لعدم تمام نمائه بعد.

ثم إن لهذه الفاحشة أثرا آخر سيئا في نظر التشريع الإسلامي وهو إفساده للأنساب وقد بني المناكح والمواريث في الإسلام عليها.

قوله تعالى:"و لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق"إلى آخر الآية نهي عن قتل النفس المحترمة إلا بالحق أي إلا أن يكون قتلا بالحق بأن يستحق ذلك لقود أو ردة أو لغير ذلك من الأسباب الشرعية ، ولعل في توصيف النفس بقوله:"حرم الله"من غير تقييد إشارة إلى حرمة قتل النفس في جميع الشرائع السماوية فيكون من الشرائع العامة كما تقدمت الإشارة إليه في ذيل الآيات 151 - 153 من سورة الأنعام.

وقوله:"و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا"المراد بجعل السلطان لوليه تسليطه شرعا على قتل قاتل وليه قصاصا والضميران في"فلا يسرف"و"إنه"للولي ، والمراد بكونه منصورا هو التسليط الشرعي المذكور.

والمعنى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا بحسب التشريع لوليه وهو ولي دمه سلطنة على القصاص وأخذ الدية والعفو فلا يسرف الولي في القتل بأن يقتل غير القاتل أو يقتل أكثر من الواحد إنه كان منصورا أي فلا يسرف فيه لأنه كان منصورا فلا يفوته القاتل بسبب أنا نصرناه أو فلا يسرف اعتمادا على أنا نصرناه.

وربما احتمل بعضهم رجوع الضمير في قوله:"فلا يسرف"إلى القاتل المدلول عليه بالسياق ، وفي قوله:"إنه"إلى"من"والمعنى قد جعلنا لولي المقتول ظلما سلطنة فلا يسرف القاتل الأول بإقدامه على القتل ظلما فإن المقتول ظلما منصور من ناحيتنا لما جعلنا لوليه من السلطنة ، وهو معنى بعيد من السياق ودونه إرجاع ضمير"إنه"فقط إلى المقتول.

وقد تقدم كلام في معنى القصاص في ذيل قوله تعالى:"و لكم في القصاص حياة": البقرة: 179 في الجزء الأول من الكتاب.

قوله تعالى:"و لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده"نهي عن أكل مال اليتيم وهو من الكبائر التي أوعد الله عليها النار قال تعالى:"إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا": النساء: 10.

وفي النهي عن الاقتراب مبالغة لإفادة اشتداد الحرمة.

وقوله:"إلا بالتي هي أحسن"أي بالطريقة التي هي أحسن وفيه مصلحة إنماء ماله ، وقوله:"حتى يبلغ أشده"هو أوان البلوغ والرشد وعند ذلك يرتفع عنه اليتم فالتحديد بهذه الجملة لكون النهي عن القرب في معنى الأمر بالصيانة والحفظ كأنه قيل: احتفظوا على ماله حتى يبلغ أشده فتردوه إليه ، وبعبارة أخرى الكلام في معنى قولنا: لا تقربوا مال اليتيم ما دام يتيما ، وقد تقدم بعض ما يناسب المقام في سورة الأنعام آية 152.

قوله تعالى:"و أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا"أي مسئول عنه وهو من الحذف والإيصال السائغ في الكلام ، وقيل: المراد السؤال عن نفس العهد فإن من الجائز أن تتمثل الأعمال يوم القيامة فتشهد للإنسان أو عليه وتشفع له أو تخاصمه.

قوله تعالى:"و أوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا"القسطاس بكسر القاف وضمها هو الميزان قيل: رومي معرب وقيل: عربي ، وقيل مركب في الأصل من القسط وهو العدل وطاس وهو كفة الميزان والقسطاس المستقيم هو الميزان العادل لا يخسر في وزنه.

وقوله:"ذلك خير وأحسن تأويلا"الخير هو الذي يجب أن يختاره الإنسان إذا تردد الأمر بينه وبين غيره ، والتأويل هو الحقيقة التي ينتهي إليها الأمر ، وكون إيفاء الكيل والوزن بالقسطاس المستقيم خيرا لما فيه من الاتقاء من استراق أموال الناس واختلاسها من حيث لا يشعرون وجلب وثوقهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت