فهرس الكتاب

الصفحة 2649 من 4314

و كونهما أحسن تأويلا لما فيهما من رعاية الرشد والاستقامة في تقدير الناس معيشتهم فإن معايشهم تقوم في التمتع بأمتعة الحياة على أصلين اكتساب الأمتعة الصالحة للتمتع والمبادلة على الزائد على قدر حاجتهم فهم يقدرون معيشتهم على قدر ما يسعهم أن يبذلوه من المال عينا أو قيمة ، وعلى قدر ما يحتاجون إليه من الأمتعة المشتراة فإذا خسروا بالتطفيف ونقص الكيل والوزن فقد اختلت عليهم الحياة من الجهتين جميعا ، وارتفع الأمن العام من بينهم.

وأما إذا أقيم الوزن بالقسط فقد أطل عليهم الرشد واستقامت أوضاعهم الاقتصادية بإصابة الصواب فيما قدروا عليه معيشتهم واجتلب وثوقهم إلى أهل السوق واستقر بينهم الأمن العام.

قوله تعالى:"و لا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا"القراءة المشهورة"لا تقف"بسكون القاف وضم الفاء من قفا يقفو قفوا إذا اتبعه ومنه قافية الشعر لكونها في آخر المصراع تابعة لما تقدمها ، وقرىء"لا تقف"بضم القاف وسكون الفاء من قاف بمعنى قفا ، ولذلك نقل عن بعض أهل اللغة أن قاف مقلوب قفا مثل جبذ مقلوب جذب ، ومنه القيافة بمعنى اتباع أثر الأقدام.

والآية تنهى عن اتباع ما لا علم به ، وهي لإطلاقها تشمل الاتباع اعتقادا وعملا ، وتتحصل في مثل قولنا: لا تعتقد ما لا علم لك به ولا تقل ما لا علم لك به ولا تفعل ما لا علم لك به لأن في ذلك كله اتباعا.

وفي ذلك إمضاء لما تقضي به الفطرة الإنسانية وهو وجوب اتباع العلم والمنع عن اتباع غيره فإن الإنسان بفطرته الموهوبة لا يريد في مسير حياته باعتقاده أو عمله إلا أصابة الواقع والحصول على ما في متن الخارج والمعلوم هو الذي يصح له أن يقول: إنه هو ، وأما المظنون والمشكوك والموهوم فلا يصح فيها إطلاق القول بأنه هو فافهم ذلك.

والإنسان بفطرته السليمة يتبع في اعتقاده ما يراه حقا ويجده واقعا في الخارج ، ويتبع في عمله ما يرى نفسه مصيبا في تشخيصه ، وذلك فيما تيسر له أن يحصل العلم به ، وأما فيما لا يتيسر له العلم به كالفروع الاعتقادية بالنسبة إلى بعض الناس وغالب الأعمال بالنسبة إلى غالب الناس فإن الفطرة السليمة تدفعه إلى اتباع علم من له علم بذلك وخبرة باعتبار علمه وخبرته علما لنفسه فيئول اتباعه في ذلك بالحقيقة اتباعا لعلمه بأن له علما وخبرة كما يرجع السالك وهو لا يعرف الطريق إلى الدليل لكن مع علمه بخبرته ومعرفته ، ويرجع المريض إلى الطبيب ومثله أرباب الحوائج إلى مختلف الصناعات المتعلقة بحوائجهم إلى أصحاب تلك الصناعات.

ويتحصل من ذلك أنه لا يتخطى العلم في مسير حياته بحسب ما تهدي إليه فطرته غير أنه يعد ما يثق به نفسه ويطمئن إليه قلبه علما وإن لم يكن ذاك اليقين الذي يسمى علما في صناعة البرهان من المنطق.

فله في كل مسألة ترد عليه إما علم بنفس المسألة وإما دليل علمي بوجوب العمل بما يؤديه ويدل عليه ، وعلى هذا ينبغي أن ينزل قوله سبحانه"و لا تقف ما ليس لك به علم"فاتباع الظن عن دليل علمي بوجوب اتباعه اتباع للعلم كاتباع العلم في مورد العلم.

فيئول المعنى إلى أنه يحرم الاقتحام على اعتقاد أو عمل يمكن تحصيل العلم به إلا بعد تحصيل العلم ، والاقتحام على ما لا يمكن فيه ذلك إلا بعد الاعتماد على دليل علمي يجوز الاقتحام والورود وذلك كأخذ الأحكام عن النبي واتباعه وإطاعته فيما يأمر به وينهى عنه عن قبل ربه وتناول المريض ما يأمر به الطبيب والرجوع إلى أصحاب الصنائع فيما يرجع إلى صناعتهم فإن الدليل العلمي على عصمة النبي دليل علمي على مطابقة ما يخبر به أو ما يأمر به وينهى عنه الواقع وأصابة من اتبعه الصواب ، والحجة العلمية على خبرة الطبيب في طبه وأصحاب الصناعات في صناعاتهم حجة علمية على أصابة من يرجع إليهم فيما يعمل به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت