فقوله:"و لقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا"معناه بشهادة السياق: وأقسم لقد رددنا الكلام معهم في أمر التوحيد ونفي الشريك من وجه إلى وجه وحولناه من لحن إلى لحن في هذا القرآن فأوردناه بمختلف العبارات وبيناه بأقسام البيانات ليتذكروا ويتبين لهم الحق.
وقوله:"و ما يزيدهم إلا نفورا"أي ما يزيدهم التصريف إلا انزعاجا كلما استؤنف جيء ببيان جديد أورثهم نفرة جديدة.
وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة تنبيها على أنهم غير صالحين للخطاب والتكليم بعد ما كان حالهم هذا الحال.
قال في المجمع ،: فإن قيل: إذا كان المعلوم أنهم يزدادون النفور عند إنزال القرآن فما المعنى في إنزاله؟ وما وجه الحكمة فيه؟ قيل: الحكمة فيه إلزام الحجة وقطع المعذرة في إظهار الدلائل التي تحسن التكليف ، وإنه يصلح عند إنزاله جماعة ما كانوا يصلحون عند عدم إنزاله ، ولو لم ينزل لكان هؤلاء الذين ينفرون عن الإيمان يفسدون بفساد أعظم من هذا النفور فالحكمة اقتضت إنزاله لهذه المعاني ، وإنما ازدادوا نفورا عند مشاهدة الآيات والدلائل لاعتقادهم أنها شبه وحيل وقلة تفكرهم فيها.
انتهى.
وقوله: إنه لو لم ينزل لكانوا يفسدون بفساد أعظم من النفور لا يخلو من شيء فإن ازدياد النفور يبلغ بهم إلى الجحود ومعاندة الحق والصد عنه ولا فساد أعظم منه في باب الدعوة.
لكن ينبغي أن يعلم أن الكفر والجحود والنفور عن الحق والعناد معه كما كانت تضر أصحابها ويوردهم مورد الهلاك فهي تنفع أرباب الإيمان والرضا بالحق والتسليم له إذ لو لم يتحقق لهذه الخصال الحسنة والصفات الجميلة مقابلات لم تتحقق لها كينونة فافهم ذلك.
فمن الواجب في الحكمة أن تتم الحجة ثم تزيد في تمامها حتى يظهر من الشقي كل ما في وسعه من الشقاء ، ويتخذ السعداء بمختلف مساعيهم من الدرجات ما يحاذي دركات الأشقياء وقد قال تعالى:"كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا": الآية: 20 من السورة.
قوله تعالى:"قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا"أعرض عن مخاطبتهم فصرف الخطاب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمره أن يكلمهم في أمر التوحيد ونفي الشريك.
والذي يقولون به أن هناك آلهة دون الله يتولون جهات التدبير في العالم على اختلاف مراتبهم والواحد منهم رب لما يدبره كإله السماء وإله الأرض وإله الحرب وإله قريش.
وإذ كانوا شركاء من جهة التدبير لكل واحد منهم الملك على حسب ربوبيته والملك من توابع الخلق الذي يختص به سبحانه حتى على معتقدهم 1 كان الملك مما يقبل في نفسه أن يقوم به غيره تعالى وحب الملك والسلطنة ضروري لكل موجود كانوا بالضرورة طالبين أن ينازعوه في ملكه وينتزعوه من يده حتى ينفرد الواحد منهم بالملك والسلطنة ، ويتعين بالعزة والهيمنة تعالى الله عن ذلك.
فملخص الحجة أنه لو كان معه آلهة كما يقولون وكان يمكن أن ينال غيره تعالى شيئا من ملكه الذي هو من لوازم ذاته الفياضة لكل شيء وحب الملك والسلطنة مغروز في كل موجود بالضرورة لطلب أولئك الآلهة أن ينالوا ملكه فيعزلوه عن عرشه ويزدادوا ملكا على ملك لحبهم ذلك ضرورة لكن لا سبيل لأحد إليه تعالى عن ذلك.
فقوله:"إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا"أي طلبوا سبيلا إليه ليغلبوه على ما له من الملك ، والتعبير عنه تعالى بذي العرش وهو من الصفات الخاصة بالملك للدلالة على أن ابتغاءهم السبيل إليه إنما هو لكونه ذا العرش وهو ابتغاء سبيل إلى عرشه ليستقروا عليه.
ومن هنا يظهر أن قول بعضهم إن الحجة في الآية هي في معنى الحجة التي في قوله تعالى:"لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا"الآية: الأنبياء: 22 في غير محله.
وذلك أن الحجتين مختلفتان في مقدماتهما فالحجة التي في الآية التي نحن فيها تسلك إلى نفي الشريك من جهة ابتغاء الآلهة السبيل إلى ذي العرش وطلبهم الغلبة عليه بانتزاع الملك منه ، والتي في آية الأنبياء تسلك من جهة أن اختلاف الآلهة في ذواتهم يؤدي إلى اختلافهم في التدبير وذلك يؤدي إلى فساد النظام فالحق أن الحجة التي فيما نحن فيه غير الحجة التي في آية الأنبياء ، والتي تقرب من حجة آية الأنبياء ما في قوله:"إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض": المؤمنون: 91.