فهرس الكتاب

الصفحة 2657 من 4314

و كذا ما نقل عن بعض قدماء المفسرين: أن المراد من ابتغائهم سبيلا إلى ذي العرش طلبهم التقرب والزلفى منه لعلوه عليهم ، وتقريب الحجة أنه لو كان معه آلهة كما يقولون لطلبوا التقرب منه تعالى والزلفى لديه لعلمهم بعلوه وعظمته ، والذي كان حاله هذا الحال لا يكون إلها فليسوا بآلهة.

في غير محله لشهادة السياق على خلافه كوصفه تعالى بذي العرش وقوله بعد:"سبحانه وتعالى عما يقولون"إلخ فإنه ظاهر في أن لما قدروه من ثبوت الآلهة المستلزم لابتغائهم سبيلا إلى الله محذورا عظيما لا تحتمله ساحة العظمة والكبرياء مثل كون ملكه في معرض ابتغاء سبيل إليه وتهاجم غيره عليه وكونه لا يأبى بحسب طبعه أن يبتز وينتقل إلى من دونه.

قوله تعالى:"سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا"التعالي هو العلو البالغ ولهذا وصف المفعول المطلق أعني"علوا"بقوله:"كبيرا"فالكلام في معنى تعالى تعاليا: والآية تنزيه له تعالى عما يقولونه من ثبوت الآلهة وكون ملكه وربوبيته مما يمكن أن يناله غيره.

قوله تعالى:"تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم"إلخ الآية وما قبلها وإن كانت واقعة موقع التعظيم كقوله:"و قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه"لكنها تفيد بوجه في الحجة المتقدمة فإنها بمنزلة المقدمة المتممة لقوله:"لو كان معه آلهة كما يقولون"إلخ فإن الحجة بالحقيقة قياس استثنائي والذي بمنزلة الاستثناء هو ما في الآية من تسبيح الأشياء له سبحانه كأنه قيل: لو كان معه آلهة لكان ملكه في معرض المنازعة والمهاجمة لكن الملك من السماوات والأرض ومن فيهن ينزهه عن ذلك ويشهد أن لا شريك له في الملك فإنها لم تبتدىء إلا منه ولا تنتهي إلا إليه ولا تقوم إلا به ولا تخضع سجدا إلا له فلا يتلبس بالملك ولا يصلح له إلا هو فلا رب غيره.

ومن الممكن أن تكون الآيتان أعني قوله:"سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. تسبح له السموات"إلخ جميعا في معنى الاستثناء والتقدير لو كان معه آلهة لطلبوا مغالبته وعزله من ملكه لكنه سبحانه ينزه ذاته عن ذلك بذاته الفياضة التي يقوم به كل شيء وتلزمه الربوبية من غير أن يفارقه أو ينتقل إلى غيره ، وكذلك ملكه وهو عالم السماوات والأرض ومن فيهن ينزهنه سبحانه بذواتها المسبحة له حيث إنها قائمة الذات به لو انقطعت أو حجبت عنه طرفة عين فنت وانعدمت فليس معه آلهة ولا أن ملكه وربوبيته مما يمكن أن يبتغيه غيره فتأمل فيه.

وكيف كان فقوله:"تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن"يثبت لأجزاء العالم المشهود التسبيح وأنها تسبح الله وتنزهه عما يقولون من الشريك وينسبون إليه.

والتسبيح تنزيه قولي كلامي وحقيقة الكلام الكشف عما في الضمير بنوع من الإشارة إليه والدلالة عليه غير أن الإنسان لما لم يجد إلى إرادة كل ما يريد الإشارة إليه من طريق التكوين طريقا التجأ إلى استعمال الألفاظ وهي الأصوات الموضوعة للمعاني ، ودل بها على ما في ضميره ، وجرت على ذلك سنة التفهيم والتفهم ، وربما استعان على بعض مقاصده بالإشارة بيده أو رأسه أو غيرهما ، وربما استعان على ذلك بكتابة أو نصب علامة.

وبالجملة فالذي يكشف به عن معنى مقصود قول وكلام وقيام الشيء بهذا الكشف قول منه وتكليم وإن لم يكن بصوت مقروع ولفظ موضوع ، ومن الدليل عليه ما ينسبه القرآن إليه تعالى من الكلام والقول والأمر والوحي ونحو ذلك مما فيه معنى الكشف عن المقاصد وليس من قبيل القول والكلام المعهود عندنا معشر المتلسنين باللغات وقد سماه الله سبحانه قولا وكلاما.

وعند هذه الموجودات المشهودة من السماء والأرض ومن فيهما ما يكشف كشفا صريحا عن وحدانية ربها في ربوبيته وينزهه تعالى عن كل نقص وشين فهي تسبح الله سبحانه.

وذلك أنها ليست لها في أنفسها إلا محض الحاجة وصرف الفاقة إليه في ذاتها وصفاتها وأحوالها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت