و ذلك أنه كما أن عند كل من هذه الأشياء شيئا من الحاجة والنقص عائدا إلى نفسه كذلك عنده من جميل صنعه ونعمته تعالى شيء راجع إليه تعالى موهوب من لدنه ، وكما أن إظهار هذه الأشياء لنفسها في الوجود إظهار لحاجتها ونقصها وكشف عن تنزه ربها عن الحاجة والنقص ، وهو تسبيحها كذلك إبرازها لنفسها إبراز لما عندها من جميل فعل ربها الذي وراءه جميل صفاته تعالى فهو حمدها فليس الحمد إلا الثناء على الجميل الاختياري فهي تحمد ربها كما تسبحه وهو قوله:"و إن من شيء إلا يسبح بحمده".
وبلفظ آخر إذا لوحظ الأشياء من جهة كشفها عما عند ربها بإبرازها ما عندها من الحاجة والنقص مع ما لها من الشعور بذلك كان ذلك تسبيحا منها ، وإذا لوحظت من جهة كشفها ما لربها بإظهارها ما عندها من نعمة الوجود وسائر جهات الكمال فهو حمد منها لربها وإذا لوحظ كشفها ما عند الله سبحانه من صفة جمال أو جلال مع قطع النظر عن علمها وشعورها بما تكشف عنه كان ذلك دلالة منها عليه تعالى وهي آياته.
وهذا نعم الشاهد على أن المراد بالتسبيح في الآية ليس مجرد دلالتها عليه تعالى بنفي الشريك وجهات النقص فإن الخطاب في قوله:"و لكن لا تفقهون تسبيحهم"إما للمشركين وإما للناس أعم من المؤمن والمشرك وهم على أي حال يفقهون دلالة الأشياء على صانعها مع أن الآية تنفي عنهم الفقه.
ولا يصغى إلى قول من قال: إن الخطاب للمشركين وهم لعدم تدبرهم فيها وقلة انتفاعهم بها كان فهمهم بمنزلة العدم ، ولا إلى دعوى من يدعي أنهم لعدم فهمهم بعض المراد من التسبيح جعلوا ممن لا يفقه الجميع تغليبا.
وذلك لأن تنزيل الفهم منزلة العدم أو جعل البعض كالجميع لا يلائم مقام الاحتجاج وهو سبحانه يخاطبهم في سابق الآية بالحجة على التنزيه على أن هذا النوع من المسامحة بالتغليب ونحوه لا يحتمله كلامه تعالى.
وأما ما وقع في قوله بعد هذه الآية:"و إذا قرأت القرآن"إلى آخر الآيات من نفي الفقه عن المشركين فليس يؤيد ما ذكروه فإن الآيات تنفي عنهم فقه القرآن وهو غير نفي فقه دلالة الأشياء على تنزهه تعالى إذ بها تتم الحجة عليهم.
فالحق أن التسبيح الذي تثبته الآية لكل شيء هو التسبيح بمعناه الحقيقي وقد تكرر في كلامه تعالى إثباته للسماوات والأرض ومن فيهن وما فيهن وفيها موارد لا تحتمل إلا الحقيقة كقوله تعالى:"و سخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير": الأنبياء: 79 ، وقوله:"إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق": ص: 18 ، ويقرب منه قوله:"يا جبال أوبي معه والطير": سبأ: 10 فلا معنى لحملها على التسبيح بلسان الحال.
وقد استفاضت الروايات من طرق الشيعة وأهل السنة أن للأشياء تسبيحا ومنها روايات تسبيح الحصى في كف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيوافيك بعضها في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى.
وقوله:"إنه كان حليما غفورا"أي يمهل فلا يعاجل بالعقوبة ويغفر من تاب ورجع إليه ، وفي الوصفين دلالة على تنزهه تعالى عن كل نقص فإن لازم الحلم أن لا يخاف الفوت ، ولازم المغفرة أن لا يتضرر بالمغفرة ولا بإفاضة الرحمة فملكه وربوبيته لا يقبل نقصا ولا زوالا.
وقد قيل في وجه هذا التذييل إنه إشارة إلى أن الإنسان في قصوره عن فهم هذا التسبيح الذي لا يزال كل شيء مشتغلا به حتى نفسه بجميع أركان وجوده بأبلغ بيان ، مخطىء من حقه أن يؤاخذ به لكن الله سبحانه بحلمه ومغفرته لا يعاجله ويعفو عن ذلك إن شاء.
وهو وجه حسن ولازمه أن يكون الإنسان في وسعه أن يفقه هذا التسبيح من نفسه ومن غيره ، ولعلنا نوفق لبيانه إن شاء الله في موضع يليق به.