قوله تعالى:"و إذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا"ظاهر توصيف الحجاب بالمستور أنه حجاب مستور عن الحواس على خلاف الحجابات المتداولة بين الناس المعمولة لستر شيء عن شيء فهو حجاب معنوي مضروب بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أنه قار للقرآن حامل له وبين المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة يحجبه عنهم فلا يستطيعون أن يفقهوا حقيقة ما عنده من معارف القرآن ويؤمنوا به ولا أن يذعنوا بأنه رسول من الله جاءهم بالحق ، ولذلك تولوا عنه إذا ذكر الله وحده وبالغوا في إنكار المعاد ورموه بأنه رجل مسحور ، والآيات التالية تؤيد هذا المعنى.
وإنما وصف المشركين بقوله:"الذين لا يؤمنون بالآخرة"لأن إنكار الآخرة يلغو معه الإيمان بالله وحده وبالرسالة فالكفر بالمعاد يستلزم الكفر بجميع أصول الدين ، وليكون تمهيدا لما سيذكر من إنكارهم البعث.
والمعنى: إذا قرأت القرآن وتلوته عليهم جعلنا بينك وبين المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة - وفي توصيفهم بذلك ذم لهم - حجابا معنويا محجوبا عن فهمهم فلا يسعهم أن يسمعوا ذكره تعالى وحده ، ولا أن يعرفوك بالرسالة الحقة ، ولا أن يؤمنوا بالمعاد ويفقهوا حقيقته.
وللقوم في قوله:"حجابا مستورا"أقوال أخر فعن بعضهم أن"مفعول"فيه للنسب أي حجابا ذا ستر نظير قولهم: رجل مرطوب ومكان مهول وجارية مغنوجة أي ذو رطوبة وذو هول وذات غنج ، ومنه قوله تعالى:"وعده مأتيا"أي ذا إتيان والأكثر في ذلك أن يجيء على فاعل كلابن وتامر.
وعن الأخفش أن"مفعول"ربما ورد بمعنى فاعل كميمون ومشئوم بمعنى يامن وشائم كما أن"فاعل"ربما ورد بمعنى مفعول كماء دافق أي مدفوق فمستور بمعنى ساتر.
وعن بعضهم أن ذلك من الإسناد المجازي والمستور بحسب الحقيقة هو ما وراء الحجاب لا نفسه.
عن بعضهم أنه من قبيل الحذف والإيصال وأصله حجابا مستورا به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عنهم.
وقيل: المعنى حجابا مستورا بحجاب آخر أي بحجب متعددة وقيل المعنى حجابا مستورا كونه حجابا بمعنى أنهم لا يدرون أنهم لا يدرون والثلاثة الأخيرة أسخف الوجوه.
قوله تعالى:"و جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا"الأكنة جمع كن بالكسر وهو على ما ذكره الراغب ما يحفظ فيه الشيء ويستر به عن غيره ، والوقر الثقل في السمع ، وفي المجمع ،: النفور جمع نافر ، وهذا الجمع قياس في كل فاعل اشتق من فعل مصدره على فعول مثل ركوع وسجود وشهود.
انتهى.
وقوله:"و جعلنا على قلوبهم أكنة"إلخ كالبيان للحجاب المذكور سابقا أي أغشينا قلوبهم بأغشية وحجب حذار أن يفقهوا القرآن وجعلنا في آذانهم وقرا وثقلا أن يسمعوه فهم لا يسمعون القرآن سمع قبول ولا يفقهونه فقه إيمان وتصديق كل ذلك مجازاة لهم بما كفروا وفسقوا.
وقوله:"و إذا ذكرت ربك في القرآن وحده"أي على نعت التوحيد ونفي الشريك ولوا على أدبارهم نافرين وأعرضوا عنه مستدبرين.
قوله تعالى:"نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك"إلى آخر الآية ، النجوى مصدر ولذا يوصف به الواحد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث وهو لا يتغير في لفظه.
والآية بمنزلة الحجة على ما ذكر في الآية السابقة أنه جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا فقوله:"نحن أعلم بما يستمعون به"إلخ ناظر إلى جعل الوقر وقوله:"و إذ هم نجوى"إلخ ناظر إلى جعل الأكنة.
يقول تعالى: نحن أعلم بآذانهم التي يستمعون بها إليك وبقلوبهم التي ينظرون بها في أمرك - وكيف لا؟ وهو تعالى خالقها ومدبر أمرها فإخباره أنه جعل على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا أصدق وأحق بالقبول - فنحن أعلم بما يستمعون به وهو آذانهم في وقت يستمعون إليك ، ونحن أعلم أي بقلوبهم إذ هم نجوى إذ يناجي بعضهم بعضا متحرزين عن الإجهار ورفع الصوت وهم يرون الرأي إذ يقول الظالمون أي يقول القائلون منهم وهم ظالمون في قولهم - إن تتبعون إلا رجلا مسحورا وهذا تصديق أنهم لم يفقهوا الحق.