فهرس الكتاب

الصفحة 2668 من 4314

و أما ما صنعت منه من خشب أو فلز فليس إلا جمادا حاله حال الجماد في التقرب إليه والسجود له وتسبيحه ، وليست من تلك الجهة بأصنام.

وثانيا: أن المراد بنفي قدرتهم نفي استقلالهم بالقدرة من دون استعانة بالله واستمداد من إذنه والدليل عليه قوله سبحانه في الآية التالية:"أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة"إلخ.

وقال بعض المفسرين: وكأن المراد من نفي ملكهم ذلك نفي قدرتهم التامة الكاملة عليه ، وكون قدرة الآلهة الباطلة مفاضة منه تعالى مسلم عند الكفرة لأنهم لا ينكرون أنها مخلوقة لله تعالى بجميع صفاتها وأن الله سبحانه أقوى وأكمل صفة منها.

وبهذا يتم الدليل ويحصل الإفحام وإلا فنفي قدرة نحو الجن والملائكة الذين عبدوا من دون الله تعالى مطلقا على كشف الضر مما لا يظهر دليله فإنه إن قيل هو أن الكفرة يتضرعون إليهم ولا يحصل لهم الإجابة عورض بأنا نرى أيضا المسلمين يتضرعون إلى الله تعالى ولا يحصل لهم الإجابة.

وقد يقال: المراد نفي قدرتهم على ذلك أصلا ويحتج له بدليل الأشعري على استناد جميع الممكنات إليه عز وجل ابتداء انتهى.

قلت: هو سبحانه يثبت في كلامه أنواعا من القدرة للملائكة والجن والإنس في آيات كثيرة لا تقبل التأويل البتة غير أنه يخص حقيقة القدرة بنفسه في مثل قوله:"أن القوة لله جميعا": البقرة: 165 ويظهر به أن غيره إنما يقدر على ما يقدر بإقداره ويملك ما يملك بتمليكه تعالى إياه فلا أحد مستقلا بالقدرة والملك إلا هو ، وما عند غيره تعالى من القدرة والملك مستعار منوط في تأثيره بالإذن والمشية.

وعلى هذا فلا سبيل إلى تنزيل الحجة في الآية على نفي قدرة آلهتهم من الملائكة والجن والإنس من أصلها بل الحجة مبتنية على أن أولئك المدعوين غير مستقلين بالملك والقدرة ، وأنهم فيما عندهم من ذلك كالداعين محتاجون إلى الله مبتغون إليه الوسيلة والدعاء إنما يتعلق بالقدرة المستقلة بالتأثير والدعاء والمسألة ممن هو قادر بقدرة غيره مالك بتمليكه مع قيام القدرة والملك بصاحبهما الأصلي فهو في الحقيقة دعاء ومسألة ممن قام بهما حقيقة واستقلالا دون من هو مملك بتمليكه.

وأما ما ذكره أن نفي قدرتهم مطلقا غير ظاهر الدليل فإنه إن قيل: إن الكفرة يتضرعون إليهم ولا يحصل لهم الإجابة ، عورض بأنا نرى أيضا المسلمين يتضرعون إلى الله تعالى ولا يحصل لهم الإجابة ، فقد أجاب الله سبحانه في كلامه عن مثل هذه المعارضة.

توضيح ذلك: أنه تعالى قال وقوله الحق:"أجيب دعوة الداع إذا دعان": البقرة: 186 وقال:"ادعوني أستجب لكم": المؤمن: 60 فأطلق الكلام وأفاد أن العبد إذا جد بالدعاء ولم يلعب به ولم يتعلق قلبه في دعائه الجدي إلا به تعالى بأن انقطع عن غيره والتجأ إليه فإنه يستجاب له البتة ثم ذكر هذا الانقطاع في الدعاء والسؤال في ذيل هذه الآيات الذي كالمتمم لما في هذه الحجة بقوله:"و إذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم": الآية - 67 من السورة فأفاد أنكم عند مس الضر في البحر تنقطعون عن كل شيء إليه فتدعونه بهداية من فطرتكم فيستجيب لكم وينجيكم إلى البر.

ويتحصل من الجميع أن الله سبحانه إذا انقطع العبد عن كل شيء ودعاه عن قلب فارغ سليم فإنه يستجيب له وأن غيره إذا انقطع داعيه عن الله وسأله مخلصا فإنه لا يملك الاستجابة.

وعلى هذا فلا محل للمعارضة من قبل المشركين فإنهم لا يستجاب لهم إذا دعوا آلهتهم وهم أنفسهم يرون أنهم إذا مسهم الضر في البحر وانقطعوا إلى الله وسألوه النجاة نجاهم إلى البر وهم معترفون بذلك ، ولئن دعاه المسلمون على هذا النمط عن جد في الدعاء وانقطاع إليه كان حالهم في البر حال غيرهم وهم في البحر ولم يخيبوا ولا ردوا.

ولم يقابل سبحانه في كلامه بين دعائهم آلهتهم ودعاء المسلمين لإلههم حتى يعارض باشتراك الدعاءين في الرد وعدم الاستجابة وإنما قابل بين دعاء المشركين لآلهتهم وبين دعائهم أنفسهم له سبحانه في البحر عند انقطاع الأسباب وضلال كل مدعو من دون الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت