و من لطيف النكتة في الكلام إلقاؤه سبحانه الحجة إليهم بواسطة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ قال:"قل ادعوا الذين زعمتم من دونه"ولو ناقشه المشركون بمثل هذه المعارضة لدعا ربه عن انقطاع وإخلاص فاستجيب له.
قوله تعالى:"أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب"إلى آخر الآية"أولئك"مبتدأ و"الذين"صفة له و"يدعون"صلته وضميره عائد إلى المشركين ، و"يبتغون"خبر"أولئك"وضميره وسائر ضمائر الجمع إلى آخر الآية راجعة إلى"أولئك"وقوله:"أيهم أقرب"بيان لابتغاء الوسيلة لكون الابتغاء فحصا وسؤالا في المعنى هذا ما يعطيه السياق.
والوسيلة على ما فسروه هي التوصل والتقرب ، وربما استعملت بمعنى ما به التوصل والتقرب ولعله هو الأنسب بالسياق بالنظر إلى تعقيبه بقوله:"أيهم أقرب".
والمعنى - والله أعلم - أولئك الذين يدعوهم المشركون من الملائكة والجن والإنس يطلبون ما يتقربون به إلى ربهم يستعلمون أيهم أقرب؟ حتى يسلكوا سبيله ويقتدوا بأعماله ليتقربوا إليه تعالى كتقربه ويرجون رحمته من كل ما يستمدون به في وجودهم ويخافون عذابه فيطيعونه ولا يعصونه إن عذاب ربك كان محذورا يجب التحرز منه.
والتوسل إلى الله ببعض المقربين إليه - على ما في الآية الكريمة قريب منه قوله"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة": المائدة: 35 غير ما يرومه المشركون من الوثنيين فإنهم يتوسلون إلى الله ويتقربون بالملائكة الكرام والجن والأولياء من الإنس فيتركون عبادته تعالى ولا يرجونه ولا يخافونه وإنما يعبدون الوسيلة ويرجون رحمته ويخافون سخطه ثم يتوسلون إلى هؤلاء الأرباب والآلهة بالأصنام والتماثيل فيتركونهم ويعبدون الأصنام ويتقربون إليهم بالقرابين والذبائح.
وبالجملة يدعون التقرب إلى الله ببعض عباده أو أصنام خلقه ثم لا يعبدون إلا الوسيلة مستقلة بذلك ويرجونها ويخافونها مستقلة بذلك من دون الله فيشركون بإعطاء الاستقلال لها في الربوبية والعبادة.
والمراد بأولئك الذين يدعون إن كان هو الملائكة الكرام والصلحاء المقربون من الجن والأنبياء والأولياء من الإنس كان المراد من ابتغائهم الوسيلة ورجاء الرحمة وخوف العذاب ظاهره المتبادر ، وإن كان المراد بهم أعم من ذلك حتى يشمل من كانوا يعبدونه من مردة الشياطين وفسقة الإنسان كفرعون ونمرود وغيرهما كان المراد بابتغائهم الوسيلة إليه تعالى ما ذكر من خضوعهم وسجودهم وتسبيحهم التكويني وكذا المراد من رجائهم وخوفهم ما لذواتهم.
وذكر بعضهم: أن ضمائر الجمع في الآية جميعا راجعة إلى أولئك والمعنى أولئك الأنبياء الذين يعبدونهم من دون الله يدعون الناس إلى الحق أو يدعون الله ويتضرعون إليه يبتغون إلى ربهم التقرب ، وهو كما ترى.
وقال في الكشاف ، في معنى الآية: يعني أن آلهتهم أولئك يبتغون الوسيلة وهي القربة إلى الله تعالى ، و"أيهم"بدل من واو"يبتغون"وأي موصولة أي يبتغي من هو أقرب منهم وأزلف الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب؟ أو ضمن"يبتغون إلى ربهم الوسيلة"معنى يحرصون فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله وذلك بالطاعة وازدياد الخير والصلاح ويرجون ويخافون كما غيرهم من عباد الله فكيف يزعمون أنهم آلهة.
انتهى.
والمعنيان لا بأس بهما لو لا أن السياق لا يلائمهما كل الملاءمة وثانيهما أقرب إليه من أولهما.
وقيل: إن معنى الآية أولئك الذين يدعونهم ويعبدونهم ويعتقدون أنهم آلهة يبتغون الوسيلة والقربة إلى الله تعالى بعبادتهم ويجتهد كل منهم ليكون أقرب من رحمته.
انتهى.
وهو معنى لا ينطبق على لفظ الآية البتة.
قوله تعالى:"و إن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا"ذكروا أن المراد بالعذاب الشديد عذاب الاستئصال فيبقى للإهلاك المقابل له الإماتة بحتف الأنف فالمعنى ما من قرية إلا نحن نميت أهلها قبل يوم القيامة أو نعذبهم عذاب الاستئصال قبل يوم القيامة إذ لا قرية بعد طي بساط الدنيا بقيام الساعة وقد قال تعالى:"و إنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا:"الكهف: 8 ولذا قال بعضهم: إن الإهلاك للقرى الصالحة والتعذيب للقرى الطالحة.