فهرس الكتاب

الصفحة 2670 من 4314

و قد ذكروا في وجه اتصال الآية أنها موعظة ، وقال بعضهم: كأنه تعالى بعد ما ذكر من شأن البعث والتوحيد ما ذكر ، ذكر بعض ما يكون قبل يوم البعث مما يدل على عظمته سبحانه وفيه تأييد لما ذكر قبله.

والظاهر أن في الآية عطفا على ما تقدم من قوله قبل آيات:"و إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا"فإن آيات السورة لا تزال ينعطف بعضها على بعض ، والغرض العام بيان سنة الله تعالى الجارية بدعوتهم إلى الحق ثم إسعاد من سعد منهم بالسمع والطاعة وعقوبة من خالف منهم وطغى بالاستكبار.

وعلى هذا فالمراد بالإهلاك التدمير بعذاب الاستئصال كما نقل عن أبي مسلم المفسر والمراد بالعذاب الشديد ما دون ذلك من العذاب كقحط أو غلاء ينجر إلى جلاء أهلها وخراب عمارتها أو غير ذلك من البلايا والمحن.

فتكون في الآية إشارة إلى أن هذه القرى سيخرب كل منها بفساد أهلها وفسق مترفيها ، وأن ذلك بقضاء من الله سبحانه كما يشير إليه ذيل الآية ، وبذلك يتضح اتصال الآية التالية"و ما منعنا"إلخ بهذه الآية فإن المعنى أنهم مستعدون للفساد مهيئون لتكذيب الآيات الإلهية وهي تتعقب بالهلاك والفناء على من يردها ويكذب بها وقد أرسلناها إلى الأولين فكذبوا بها واستؤصلوا فلو أنا أرسلنا إلى هؤلاء شيئا من جنس تلك الآيات المخوفة لحق بهم الإهلاك والتدمير وانطوى بساط الدنيا فأمهلناهم حتى حين وسيلحق بهم ولا يتخطاهم - كما أشير إليه في قوله:"و لكل أمة رسول"الآيات: يونس: 47 وذكر بعضهم: أن المراد بالقرى في الآية القرى الكافرة وأن تعميم القرى لا يساعد عليه السياق انتهى.

وهو دعوى لا دليل عليها.

وقوله:"كان ذلك في الكتاب مسطورا"أي إهلاك القرى أو تعذيبها عذابا شديدا كان في الكتاب مسطورا وقضاء محتوما ، وبذلك يظهر أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ الذي يذكر القرآن أن الله كتب فيه كل شيء كقوله:"و كل شيء أحصيناه في إمام مبين:"يس: 12 ، وقوله:"و ما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين": يونس: 61.

ومن غريب الكلام ما ذكره بعضهم: وذكر غير واحد أنه ما من شيء إلا بين فيه أي في اللوح المحفوظ والكتاب المسطور بكيفياته وأسبابه الموجبة له ووقته المضروب له ، واستشكل العموم بأنه يقتضي عدم تناهي الأبعاد ، وقد قامت البراهين النقلية والعقلية على خلاف ذلك فلا بد أن يقال بالتخصيص بأن يحمل الشيء على ما يتعلق بهذه النشأة أو نحو ذلك.

وقال بعضهم: بالعموم إلا أنه التزم كون البيان على نحو يجتمع مع التناهي فاللوح المحفوظ في بيانه جميع الأشياء الدنيوية والأخروية وما كان وما يكون نظير الجفر الجامع في بيانه لما يبينه.

انتهى.

والكلام مبني على كونه لوحا جسمانيا موضوعا في بعض أقطار العالم مكتوبا فيه أسماء الأشياء وأوصافها وأحوالها وما يجري عليها في الأنظمة الخاصة بكل منها والنظام العام الجاري عليها من جميع الجهات ، ولو كان كما يقولون لوحا ماديا جسمانيا لم يسع كتابة أسماء أجزائه التي تألف منها جسمه وتفصيل صفاتها وحالاتها فضلا عن غيره من الموجودات التي لا يحصيها ولا يحيط بتفاصيل صفاتها وأحوالها وما يحدث عليها والنسب التي بينها إلا الله سبحانه ، وليس ينفع في ذلك التخصيص بما في هذه النشأة أو بما دون ذلك وهو ظاهر.

وما التزم به البعض أنه من قبيل انطواء غير المتناهي في المتناهي نظير اشتمال الحروف المقطعة جميع الكلام مع عدم تناهي التأليفات الكلامية التزام بوجود صور الحوادث فيه بالقوة والإمكان أو الإجمال وكلامه سبحانه فيما يصف فيه هذا اللوح كالصريح أو هو صريح في اشتماله على الأشياء والحوادث مما كان أو يكون أو هو كائن بالفعل وعلى نحو التفصيل وبسمة الوجوب الذي لا سبيل للتغير إليه ، ولو كان كذلك لكفى فيه كتابة حروف التهجي في دائرة على لوح.

على أن الجمع بين جسمية اللوح وماديته التي من خاصتها قبول التغير وبين كونه محفوظا من أي تغير وتحول مفروض مما يحتاج إلى دليل أجلى من هذه التصويرات وفي الكلام مواقع أخرى للنظر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت