فالحق أن الكتاب المبين هو متن 1 الأعيان بما فيه من الحوادث من جهة ضرورة ترتب المعلولات على عللها ، وهو القضاء الذي لا يرد ولا يبدل لا من جهة إمكان المادة وقوتها ، والتعبير عنه بالكتاب واللوح لتقريب الأفهام إلى حقيقة المعنى بالتمثيل ، وسنستوفي الكلام في هذا البحث إن شاء الله في موضع يناسبه.
قوله تعالى:"و ما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون"إلى آخر الآية قد تقدم وجه اتصال الآية بما قبلها ومحصله أن الآية السابقة أفادت أن الناس - وآخروهم كأوليهم - مستحقون بما فيهم من غريزة الفساد والفسق لحلول الهلاك وسائر أنواع العذاب الشديد ، وقد قضى الله على القرى أن تهلك أو تعذب عذابا شديدا وهذا هو الذي منعنا أن نرسل بالآيات التي يقترحونها فإن السابقين منهم اقترحوها فأرسلناها إليهم فكذبوا بها فأهلكناهم ، وهؤلاء اللاحقون في خلق سابقيهم فلو أرسلنا بالآيات حسب اقتراحهم لكذبوا بها فحل الهلاك بهم لا محالة كما حل بسابقيهم ، وما يريد الله سبحانه أن يعاجلهم بالعقوبة.
وبهذا يظهر أن للآيتين ارتباطا بما سيحكيه من اقتراحهم الآيات بقوله:"و قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا": الآية 90 من السورة إلى آخر الآيات ، وظاهر آيات السورة أنها نزلت دفعة واحدة.
فقوله:"و ما منعنا أن نرسل بالآيات"المنع هو قسر الغير عما يريد أن يفعله وكفه عنه ، والله سبحانه يحكم ولا معقب لحكمه وهو الغالب القاهر إذا أراد شيئا قال له كن فيكون ، فكون تكذيب الأولين لآياته مانعا له من إرسال الآيات المقترحة بعد ذلك كون الفعل بالنظر إلى ما ارتكز فيهم من خلق التكذيب خاليا عن المصلحة بالنسبة إلى أمة أراد الله أن لا يعاجلهم بالعقوبة والهلاك أو خاليا عن المصلحة مطلقا للعلم بأن عامتهم لا يؤمنون بالآيات المقترحة.
وإن شئت فقل: إن المنافاة بين إرسال الآيات المقترحة مع تكذيب الأولين وكون الآخرين سالكين سبيلهم المستتبع للاستئصال وبين تعلق المشية بإمهال هذه الأمة عبر عنها في الآية بالمنع استعارة.
وكأنه للإشعار بذلك عبر عن إيتاء الآيات بالإرسال كأنها تتعاضد وتتداعى للنزول لكن التكذيب وتعرق الفساد في فطر الناس يمنع من ذلك.
وقوله:"إلا أن كذب بها الأولون"التعبير عن الأمم الهالكة بالأولين المضايف للآخرين فيه إيماء إلى أن هؤلاء آخر أولئك الأولين فهم في الحقيقة أمة واحدة لآخرها من الخلق والغريزة ما لأولها ، لذيلها من الحكم ما لصدرها ولذلك كانوا يقولون:"ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين": المؤمنون: 24 ويكررون ذكر هذه الكلمة.
وكيف كان فمعنى الآية أنا لم نرسل الآيات التي يقترحونها والمقترحون هم قريش - لأنا لو أرسلناها لم يؤمنوا وكذبوا بها فيستحقوا عذاب الاستئصال كما أنا أرسلناها إلى الأولين بعد اقتراحهم إياها فكذبوا بها فأهلكناهم لكنا قضينا على هذه الأمة أن لا نعذبهم إلا بعد مهلة ونظرة كما يظهر من مواضع من كلامه تعالى.
وذكروا في معنى الآية الكريمة وجهين آخرين: أحدهما: أنا لا نرسل الآيات لعلمنا بأنهم لا يؤمنون عندها فيكون إنزالها عبثا لا فائدة فيه كما أن من قبلهم لم يؤمنوا عند إنزال الآيات وهذا إنما يتم في الآيات المقترحة وأما الآيات التي يتوقف عليها ثبوت النبوة فإن الله يؤتيها رسوله لا محالة ، وكذا الآيات التي في نزولها لطف منه سبحانه فإن الله يظهرها أيضا لطفا منه ، وأما غير هذين النوعين فلا فائدة في إنزالها.
وثانيهما: أن المعنى أنا لا نرسل الآيات لأن آباءكم وأسلافكم سألوا مثلها ولم يؤمنوا به عند ما نزل وأنتم على آثار أسلافكم مقتدون فكما لم يؤمنوا هم لا تؤمنون أنتم.
والمعنى الثاني منقول عن أبي مسلم وتمييزه من المعنيين السابقين من غير أن ينطبق على أحدهما لا يخلو من صعوبة.
وقوله:"و آتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها"ثمود هم قوم صالح ولقد آتاهم الناقة آية ، والمبصرة الظاهرة البينة على حد ما في قوله تعالى:"و جعلنا آية النهار مبصرة": إسراء - 12 ، وهي صفة الناقة أو صفة لمحذوف والتقدير آية مبصرة والمعنى وآتينا قوم ثمود الناقة حالكونها ظاهرة بينة أو حالكونها آية ظاهرة بينة فظلموا أنفسهم بسببها أو ظلموا مكذبين بها.