و قوله:"و ما نرسل بالآيات إلا تخويفا"أي إن الحكمة في الإرسال بالآيات التخويف والإنذار فإن كانت من الآيات التي تستتبع عذاب الاستئصال ففيها تخويف بالهلاك في الدنيا وعذاب النار في الآخرة ، وإن كانت من غيرها ففيها تخويف وإنذار بعقوبة العقبى.
وليس من البعيد أن يكون المراد بالتخويف إيجاد الخوف والوحشة بإرسال ما دون عذاب الاستئصال على حد ما في قوله تعالى:"أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم": النحل ، 47 فيرجع محصل معنى الآية إنا لا نرسل بالآيات المقترحة لأنا لا نريد أن نعذبهم بعذاب الاستئصال وإنما نرسل ما نرسل من الآيات تخويفا ليحذروا بمشاهدتها عما هو أشد منها وأفظع ونسب الوجه إلى بعضهم.
قوله تعالى:"و إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا"فقرأت الآية وهي أربع واضحة المعاني لكنها بحسب ما بينها من الاتصال وارتباط بعضها ببعض لا تخلو من إجمال والسبب الأصلي في ذلك إجمال الفقرتين الوسطيين الثانية والثالثة.
فلم يبين سبحانه ما هذه الرؤيا التي أراها نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يقع في سائر كلامه ما يصلح لأن يفسر به هذه الرؤيا ، والذي ذكره من رؤياه في مثل قوله:"إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم": الأنفال ، 43 وقوله"لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام": الفتح - 27 من الحوادث الواقعة بعد الهجرة وهذه الآية مكية نازلة قبل الهجرة.
ولا يدرى ما هذه الشجرة الملعونة في القرآن التي جعلها فتنة للناس ، ولا توجد في القرآن شجرة يذكرها الله ثم يلعنها نعم ذكر سبحانه شجرة الزقوم ووصفها بأنها فتنة كما في قوله"أم شجرة الزقوم إنا جعلناها فتنة للظالمين": الصافات - 63 لكنه سبحانه لم يلعنها في شيء من المواضع التي ذكرها ، ولو كان مجرد كونها شجرة تخرج في أصل الجحيم وسببا من أسباب عذاب الظالمين موجبا للعنها لكانت النار وكل ما أعد الله فيها للعذاب ملعونة ولكانت ملائكة العذاب وهم الذين قال تعالى فيهم:"و ما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا": المدثر: 31 ملعونين وقد أثنى الله عليهم ذاك الثناء البالغ في قوله:"عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون": التحريم: 6 وقد عد سبحانه أيدي المؤمنين من أسباب عذاب الكفار إذ قال:"قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم": التوبة: 14 وليست بملعونة.
وبهذا يتأيد أنه لم يكن المراد بالآية الكشف عن قناع الفقرتين وإيضاح قصة الرؤيا والشجرة الملعونة في القرآن المجعولتين فتنة للناس بل إنما أريدت الإشارة إلى إجمالهما والتذكير بما يقتضيانه بحكم السياق.
نعم ربما يلوح السياق إلى بعض شأن الأمرين: الرؤيا والشجرة الملعونة فإن الآيات السابقة كانت تصف الناس أن أخراهم كأولاهم وذيلهم كصدرهم في عدم الاعتناء بآيات الله سبحانه وتكذيبها ، وأن المجتمعات الإنسانية ذائقون عذاب الله قرية بعد قرية وجيلا بعد جيل بإهلاك أو بعذاب مخوف دون ذلك ، والآيات اللاحقة"و إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم"إلخ المشتملة على قصة إبليس وعجيب تسلطه على إغواء بني آدم تجري على سياق الآيات السابقة.
وبذلك يظهر أن الرؤيا والشجرة المشار إليهما في الآية أمران سيظهران على الناس أو هما ظاهران يفتتن بهما الناس فيشيع بهما فيهم الفساد ويتعرق فيهم الطغيان والاستكبار وذيل الآية"و نخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا"يشير إلى ذلك ويؤيده بل وصدر الآية"و إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس".
أضف إلى ذلك أنه تعالى وصف هذه الشجرة التي ذكرها بأنها ملعونة في القرآن ، وبذلك يظهر أن القرآن مشتمل على لعنها وأن لعنها بين اللعنات الموجودة في القرآن كما هو ظاهر قوله:"و الشجرة الملعونة في القرآن"وقد لعن في القرآن إبليس ولعن فيه اليهود ولعن فيه المشركون ولعن فيه المنافقون ولعن فيه أناس بعناوين أخر كالذين يموتون وهم كفار والذين يكتمون ما أنزل الله والذين يؤذون الله ورسوله إلى غير ذلك.