فهرس الكتاب

الصفحة 2673 من 4314

و قد جعل الموصوف بهذه اللعنة شجرة ، والشجرة كما تطلق على ذي الساق من النبات كذلك تستعمل في الأصل الذي تطلع منه وتنشأ عليه فروع بالنسب أو بالإتباع على أصل اعتقادي ، قال في لسان العرب ،: ويقال: فلان من شجرة مباركة أي من أصل مبارك.

انتهى.

وقد ورد ذلك في لسانه (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرا كقوله: أنا وعلي من شجرة واحدة ، ومن هذا الباب قوله في حديث العباس: عم الرجل صنو أبيه.

1 وبالتأمل في ذلك يتضح للباحث المتدبر أن هذه الشجرة الملعونة قوم من هؤلاء الملعونين في كلامه لهم صفة الشجرة في النشوء والنمو وتفرع الفروع على أصل له حظ من البقاء والإثمار وهم فتنة تفتتن بها هذه الأمة ، وليس يصلح لهذه الصفة إلا طوائف ثلاث من المعدودين وهم أهل الكتاب والمشركون والمنافقون ولبثهم في الناس وبقاؤهم على الولاء إما بالتناسل والتوالد كأهل بيت من الطوائف المذكورة يعيشون بين الناس ويفسدون على الناس دينهم ودنياهم ويفتتن بهم الناس وإما بطلوع عقيدة فاسدة ثم اتباعها على الولاء من خلف بعد سلف.

ولم يظهر من المشركين وأهل الكتاب في زمن الرسول قبل الهجرة وبعدها قوم بهذا النعت ، وقد آمن الله الناس من شرهم مستقلين بذلك بمثل قوله النازل في أواخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون": المائدة: 3 وقد استوفينا البحث عن معنى الآية فيما تقدم.

فالذي يهدي إليه الإمعان في البحث أن المراد بالشجرة الملعونة قوم من المنافقين المتظاهرين بالإسلام يتعرقون بين المسلمين إما بالنسل وإما بالعقيدة والمسلك هم فتنة للناس ، ولا ينبغي أن يرتاب في أن في سياق الآية تلويحا بالارتباط بين الفقرتين أعني قوله:"و ما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة"وخاصة بعد الإمعان في تقدم قوله:"و إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس"وتذييل الفقرات جميعا بقوله:"و نخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا"فإن ارتباط الفقرات بعضها ببعض ظاهر في أن الآية بصدد الإشارة إلى أمر واحد هو سبحانه محيط به ولا ينفع فيه عظة وتخويف إلا زيادة في الطغيان.

ويستفاد من ذلك أن الشأن هو أن الله سبحانه أرى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الرؤيا هذه الشجرة الملعونة وبعض أعمالهم في الإسلام ثم بين لرسوله أن ذلك فتنة.

فقوله:"و إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس"مقتضى السياق أن المراد بالإحاطة الإحاطة العلمية ، والظرف متعلق بمحذوف والتقدير واذكر إذ قلنا لك كذا وكذا والمعنى واذكر للتثبت فيما ذكرنا لك في هذه الآيات أن شيمة الناس الاستمرار في الفساد والفسوق واقتداء أخلافهم بأسلافهم في الإعراض عن ذكر الله وعدم الاعتناء بآيات الله ، وقتا قلنا لك إن ربك أحاط بالناس علما وعلم أن هذه السنة ستجري بينهم كما كانت تجري.

وقوله:"و ما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن"محصل معناه على ما تقدم أنه لم نجعل الشجرة الملعونة في القرآن التي تعرفها بتعريفنا ، وما أريناك في المنام من أمرهم إلا فتنة للناس وامتحانا وبلاء نمتحنهم ونبلوهم به وقد أحطنا بهم.

وقوله:"و نخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا"ضميرا الجمع للناس ظاهرا والمراد بالتخويف إما التخويف بالموعظة والبيان أو بالآيات المخوفة التي هي دون الآيات المهلكة المبيدة ، والمعنى ونخوف الناس فما يزيدهم التخويف إلا طغيانا ولا أي طغيان كان بل طغيانا كبيرا أي أنهم لا يخافون من تخويفنا حتى ينتهوا عما هم عليه بل يجيبوننا بالطغيان الكبير فهم يبالغون في طغيانهم ويفرطون في عنادهم مع الحق.

وسياق الآية سياق التسلية فالله سبحانه يعزي نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها بأن الذي أراه من الأمر ، وعرفه من الفتن ، وقد جرت سنته تعالى على امتحان عباده بالمحن والفتن ، وقد اعترف بذلك غير واحد من المفسرين.

ويؤيد جميع ما تقدم ما ورد من طرق أهل السنة واتفقت عليه أحاديث أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن المراد بالرؤيا في الآية هي رؤيا رآها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بني أمية والشجرة شجرتهم وسيوافيك الروايات في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت